الندوة
الدولية الثالثة حول الإرث الروحي للإسلام :
التأريخ
المبكر للإسلام
نقد وإعادة بناء
5. - 7. نوفمبر 2009
جامعة جوته
فرانكفورت على نهر الراين
كلمة أحمد الكاتب
نقد المناهج الشيعية في السيرة والتاريخ والحديث
أود في البداية الاشارة
الى أن الاسلام كتابا وسنة
تواتر لدى جميع المسلمين وبالتالي فلم ولا توجد خلافات جوهرية بين الفرق الاسلامية حول أصول الدين الاسلامي
وفروعه، مثل التوحيد والنبوة والمعاد، أو الصلاة والصوم والحج والزكاة، أو القيم
والأخلاق والأحكام الأخرى، وأن الخلاف الأساسي الذي حدث بين الفرق المختلفة انما كان في المجال السياسي والدستوري بالمصطلح الحديث،
وبالتالي فان الخلاف بين الشيعة والسنة لا يدور حول الاسلام
وانما حول الفكر السياسي. ومن هنا فان موضوع بحثنا في
هذه الندوة "نقد مناهج الحديث والسيرة والتاريخ عند الشيعة" لا يشمل
القرآن الكريم ولا السنة النبوية المتواترة وخاصة السنة العملية، وانما يدور حول الأحاديث التي ادعاها الشيعة، واعني الشيعة الإمامية الاثني عشرية، أو نسبوها الى النبي الأكرم محمد (ص) حول الامامة
الإلهية لأهل البيت (أوالسلالة العلوية الحسينية). ومن ذلك الرواية الشيعية لبعض أسباب النزول
المتعلقة بموضوع الامامة والنص على الامام
علي.
لا
يختلف المسلمون كثيرا حول السيرة النبوية ولا حول عموم الأحداث التاريخية التي مرت
بهم بعد وفاة الرسول، من السقيفة وحروب الردة والشورى وحروب الفتنة الكبرى كالجمل
وصفين والنهروان وكربلاء، وهذا
ما يفسر عدم اهتمام الشيعة بكتابة التاريخ والسيرة النبوية.
إن
الخلاف بين الشيعة والسنة حول السيرة النبوية، يدور بالدرجة الأولى حول موقف النبي
من الامام علي بن أبي طالب، وهل كان يعامله كخليفة معين
من بعده، ويوليه عناية فائقة؟ أم كان يعامله كواحد من المسلمين، وربما كأقرب
الصحابة اليه، ولكن ليس كمكمل للرسالة وخليفة معين من
قبل الله بعد الرسول، وأنه يشكل امتدادا للنبوة.
إن
الشيعة يمتلكون رؤية خاصة في تفسير بعض الأحداث أو روايتها بشكل آخر، أو يتحدثون
عن أحداث هامشية رافقت الأحداث الكبرى، مثل الاعتداء على بيت الإمام علي ومحاولة
إحراقه، وعصر السيدة فاطمة الزهراء وراء الباب واسقاط
جنينها، وما الى ذلك، من الأحداث التي يقولون أنها
رافقت عملية انتخاب أبي بكر كخليفة للمسلمين.
وتدور أحاديث الشيعة الإمامية
بصورة رئيسية حول موضوع الإمامة والنص والتعيين لسلسلة أئمتهم من أهل البيت
العلويين الحسينيين، والصراعات التي شابت عملية تعيين
كل واحد منهم، انتهاء بموضوع غيبة الإمام الثاني عشر "محمد بن الحسن
العسكري" في منتصف القرن الثالث الهجري، وهو الموضوع الأهم الذي شكل حجر
الزاوية في بناء النظرية "الاثني عشرية". حيث
قام الشيعة برواية العشرات أو المئات أو الآلاف من الأحاديث التي تؤكد ولادته
السرية وغيبته ومهدويته، والتبشير بخروجه في المستقبل.
وهكذا
كان للشيعة الإمامية رؤية خاصة للسيرة النبوية وتاريخ الاسلام ولا سيما تاريخ أهل البيت، وقد اعتمدوا في تأسيس رؤيتهم
على أحاديث رووها عن الرسول الأعظم، وأحاديث أخرى رووها عن أئمتهم الاثني عشر. وتشكل نسبة الأولى الى
الثانية نسبة واحد الى مائة أو أقل من ذلك، فهي إذن
أحاديث شيعية إمامية أكثر منها نبوية.
وعندما
نبحث في منهج الشيعة في الحديث والسيرة والتاريخ ، ونحاول أن ننقد ذلك المنهج، فاننا نحاول أن ننقد الأحاديث المنسوبة الى
أئمة أهل البيت، والتي تحمل الفكر الإمامي والرؤية
التاريخية الشيعية.
أصول المنهج الإمامي
في الحديث
ولد "المنهج الإمامي"
في القرن الثاني الهجري، بعد ظهور نظرية "الإمامة الإلهية" التي ادعت
امتلاك "الأئمة" للقرآن الكامل، واحتكار القدرة على تفسيره، وعلم الأئمة
بالغيب، وتحدث الملائكة معهم، وتفويض الله لهم أمر الدين، وكونهم "مصدرا من
مصادر التشريع" ووجوب القطع بصوابية
آرائهم وأقوالهم، والتسليم لهم وعدم مناقشتهم، وعدم جواز تقليد غيرهم من العلماء
أو تلقي الأحاديث النبوية عن غير طريقهم.. وجواز الفتوى بالتقية، ومخالفة العامة
من المسلمين.
ونسب "الإمامية"
الى الإمام جعفر الصادق، رفضه القول بالرأي أو القياس والاجتهاد. ورووا
عنه أنه قال:"إن أصحاب المقائيس
طلبوا العلم بالمقائيس فلم تزدهم المقائيس
من الحق إلا بعدا، وإن دين الله لا يصاب بالمقائيس".[1] ونظراً لمحدودية الأحكام الواردة في
القرآن والسنة، حاول "الإمامية" حل المشكلة
بالقول بوجود "العلم الإلهي المستمر" لدى الأئمة من أهل البيت الذين
يشكلون "مصدرا مستمرا من مصادر التشريع" الى
جانب القرآن والسنة.[2]
ومع أن الإمامية يعترفون بالسنة النبوية، إلا أنهم يشككون بالأحاديث الواردة عن النبي
الأكرم (ص) عن طرق العامة، ولا يعترفون إلا بالأحاديث الواردة عن
"الأئمة" لأنهم – حسب رأيهم –
أعلم الناس
بالأحاديث النبوية الصحيحة، التي ورثوها أباً عن جد عن رسول الله (ص) والتي تختلف عما في أيدي الناس.[3] ويروون عن الصادق أنه كان يقول:"إن عندنا ما لا نحتاج معه إلى الناس، وإن
الناس ليحتاجون إلينا، وإن عندنا كتابا إملاء رسول الله (ص) وخط علي (ع) صحيفة
فيها كل حلال وحرام".[4]
ونتيجة لإيمانهم بعصمة
"الأئمة" وبناء على امتلاكهم لتلك الكتب السرية، فقد كان الإمامية يقبلون أية رواية ينسبها "الإمام" إلى
رسول الله (ص) من دون حاجة لذكر السند، حتى لو كانت بينه وبين الرسول مائة عام. [5]
وقال بعض "الإمامية": بأن الله تعالى قد فوَّض للأئمة التشريع،
وزعموا أن
الدين أو الحكم الشرعي هو ما يقوله "الأئمة"، وليس ما
روي عن النبي الأكرم أو جاء في
القرآن الكريم فقط. [6] وهو ما أتاح لهم نقل ما يشاءون من الفتاوى عن "الأئمة"،
والتأسيس لفقه جديد.
وبناء على دعوى "التفويض في أمر
الدين" قام بعض الإمامية، أو الغلاة منهم، باتخاذ
منهج جديد هو المخالفة للآخرين، حيث نسبوا للإمام الصادق أنه قال:" إذا ورد
عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما
خالف كتاب الله فردوه، فان لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة،
فما وافق أخبارهم فذروه ، وما خالف أخبارهم فخذوه ".[7]
وفي رواية أخرى :"إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم".[8]
وكان بعض الإمامية
يتبع منهج المخالفة، بدلا من التأكد من رواة الحديث عند عامة المسلمين ودراسة أسنادهم بصورة موضوعية محايدة، فإن كانوا كذابين أو مشبوهين تترك
رواياتهم، وإن كانوا صادقين يؤخذ بها.
كما كان بعض الإمامية
يتبع منهج المخالفة حتى بالنسبة للأحاديث التي يرويها الشيعة عن الأئمة أنفسهم،
بغض النظر عن سندها. يقول الحسن بن الجهم: قلت للعبد
الصالح (الإمام الكاظم): هل يسعنا فيما ورد علينا منكم إلا التسليم لكم ؟ فقال :
لا والله لا يسعكم إلا التسليم لنا، فقلت : فيروى عن أبي عبد الله شيء ، ويروى عنه
خلافه ، فبأيهما نأخذ؟ فقال : خذ بما خالف القوم ، وما وافق القوم فاجتنبه".[9]
وعن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله (الصادق)،
قلت : يرد علينا حديثان : واحد يأمرنا بالأخذ به، والآخر ينهانا عنه، قال : لا تعمل
بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله، قلت : لابد أن نعمل (بواحد منهما ) قال
:" خذ بما فيه خلاف العامة". [10]
وقد
لعبت هذه الروايات دورا سلبيا كبيرا في ابتعاد الفقه الإمامي
عن الفقه العام لبقية المسلمين .
إذن فقد قامت نظرية "الإمامة الإلهية
لأهل البيت" بتأسيس مصدر أخباري خاص محصور في أئمة أهل البيت، لا يقبل الجدل
والنقاش، ولا يسمح بالتساؤل عن السند بين "الإمام" والنبي، باعتباره
"معصوما" لا يكذب ولا يتوهم ولا ينسى.
وعبر هذا المصدر، قام الشيعة بنقل روايات خاصة عن أسباب نزول القرآن،
والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، وتاريخ الإمامة.
ونقل الكليني في
"الكافي" عن الإمام محمد الباقر تفسيره لآية أولي الأرحام: "النبي
أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب
الله". الأحزاب 6، بما يفيد حصر الإمامة في ذرية النبي. وأنه قال:" إنها نزلت في الإمرة، فنحن أولى بالأمر وبرسول الله
(ص) من المؤمنين والمهاجرين والأنصار".[14] وأن الباقر قام
بتفسير آية إكمال الدين بالولاية، وتقديم رواية خاصة عن رسول الله، فقال:" أنزل
الله عز وجل: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي" يوم الجمعة
في عرفة، وكان كمال الدين بولاية علي ابن أبي طالب (ع) ... فنزلت " يا أيها
الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس
إن الله لا يهدي القوم الكافرين" فأخذ رسول الله (ص) بيد علي فقال: أيها
الناس إنه لم يكن نبي من الأنبياء ممن كان قبلي إلا وقد عمَّره
الله، ثم دعاه فأجابه، فأوشك أن ادعى فأجيب وأنا مسؤول وأنتم مسؤولون فما ذا أنتم قائلون؟ فقالوا:
نشهد أنك قد بلغت ونصحت، وأديت ما عليك فجزاك الله أفضل جزاء المرسلين، فقال:
اللهم اشهد - ثلاث مرات - ثم قال: يا معشر المسلمين هذا وليكم من بعدي
فليبلغ الشاهد منكم الغائب...ثم إن رسول الله (ص) حضره الذي حضر، فدعا عليا فقال:
يا علي إني أريد أن أأتمنك على ما ائتمنني الله عليه من غيبه وعلمه ومن خلقه ومن
دينه الذي ارتضاه لنفسه. فلم يشرك والله فيها أحدا من الخلق".[15]
وقبل الشيعة دون
نقاش رأي الإمام الباقر في حصر الإمامة في الفاطميين، وإخراج سائر
العلويين منها، ثم حصر الإمامة في الحسينيين دون الحسنيين، وكذلك عملية انتقال الإمامة
في أبناء الحسين من واحد الى آخر، وذلك بناء على روايات
نقلها عن جده الأعلى الإمام علي عن رسول الله.[16] ولم يطالبوه بأدلة تثبت
قوله بناء على كونه "إماما معصوما معينا من قبل الله" لا ينطق بالباطل.
ورغم كون ذلك دورا منطقيا باطلا، حيث يجب تصديق
"الإمام" لأنه "معصوم". وهو "معصوم" لأنه يقول ذلك؛
فان الإمامية قبلوا روايات الباقر عن نفسه وعن الإمامة
وعن النبي، من دون أن يسألوه عن الأدلة والبراهين التي تثبت المكانة التي ادعاها
لنفسه وأنه "معصوم" لا ينطق عن الهوى. وقد فتح الإيمان بإمامة الباقر "الإلهية"
النافذة لمن جاء بعده من "الأئمة" كالصادق والكاظم والرضا والجواد
والهادي والعسكري والمهدي. والتعامل معهم بنفس الدرجة من التسليم والتصديق، وعدم
السؤال عن الأدلة والبراهين فيما ينسبون الى الله
والرسول، إن صحت الرواية عنهم. وهكذا شكلت نظرية "الإمامة" أكبر ثغرة في
عملية نقل الأحاديث عن الرسول، لدى الشيعة الإمامية.
وهي ثغرة تتجلى فيما إذا نظرنا الى "الأئمة من أهل
البيت" نظرة عادية كرواة حديث فقط، وطالبناهم - مهما كانوا صادقين- بذكر
السند، والنظر فيه، ومدى مطابقته للعقل والقرآن والعلم والأحاديث المتواترة
الأخرى.
وبالإضافة
الى هذه الثغرة الكبرى، يعاني منهج الشيعة الإمامية في الحديث، من ثغرات أخرى لاحقة، في ضمن المذهب.
ورغم تطور علم الحديث الشيعي، وقيام عدد كبير من العلماء الشيعة عبر التاريخ بنقد منهج الحديث، وتطوير
علم الرجال، الا انه لا يزال يعاني من بعض المشاكل
والتحديات.
1 - الشفوية
وكما
هو معروف فقد ابتدأت الرواية عند الشيعة عن "الأئمة"، بالنقل الشفوي،
أكثر مما كان يتم بالكتابة. ولم يعرف الا نادرا قيام "الأئمة"
بكتابة أحاديثهم وتوزيعها ضمن كتب معروفة. ولذلك فقد كان متوقعا أن تشوب عملية
النقل الشفوي، عمليات تزوير وتحريف وكذب، وأن تتسع عمليات التزوير والتحريف من
راوٍ الى آخر، ومن جيل الى
آخر، ومن مكان الى آخر. وهناك نصوص عن جعفر الصادق تؤكد
هذه الحقيقة.[17]
مما يلقي بالشك على مجمل عملية النقل عن "الأئمة" من أهل البيت.
التلاعب بالكتب
تقول روايات عديدة عن الصادق أن المغيرة كان
يكذب على الباقر في حياته فيأخذ كتبه من أصحابه ويدس فيها ما يشاء من كفر وزندقة
وغلو، كما في هذه الرواية أنه قال:"كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي،
ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب فيدفعونها إلى
المغيرة، وكان يدس فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي، ثم يدفعها إلى أصحابه،
ثم يأمرهم أن يبثوها في الشيعة، فكل ما كان في كتب أبي من الغلو فذاك مما دسه
المغيرة بن سعيد في كتبه". أسد حيدر، الإمام
الصادق والمذاهب الأربعة، المجلد الثاني، ص 381 – 383
الأخبارية
ونتيجة لبعد الشيعة عن "الأئمة" من
أهل البيت من حيث المكان أو الزمان، واختلاط الأصحاب الكذابين بالصادقين، اختلطت
عملية النقل عن "الأئمة"، وأصبح من العسير التمييز بين أحاديثهم الصحيحة
والأحاديث الموضوعة المنسوبة اليهم. ونشأ جيل من الشيعة
الأخباريين الذين يصدقون بأية رواية تأتيهم عن أهل
البيت، حتى لو كانت مخالفة للقرآن أو العقل أو العلم، أو السنة الثابتة، خوفا من
الرد على "الأئمة" والخروج من ولايتهم. ورغم أن بعض الفقهاء من الشيعة
كان يحاول أن يستعين بروايات الجرح والتعديل الواردة عن "الأئمة"، والتي
توثق بعض الأصحاب أو تلعن بعضهم، للوصول الى حقيقة مذهب
أهل البيت، الا أن أولئك الفقهاء كانوا يضيعون في متاهة
الأحاديث المتضاربة الواردة عن "الأئمة"، والتي تجرح هذا أو توثق ذاك،
خلافا للحقيقة، وبناء على مبدأ "التقية". كالأحاديث التي توثق مثلا
المفضل بن عمر، زعيم فرقة "المفوضة" المغالية، أو تجرح شخصا معتدلا مثل زرارة بن أعين. [18] وقد روى الكليني
عن الإمام الصادق، أنه كان يمارس التقية في اللعن، ويطلب من أصحابه عدم
إحراجه أمام الناس بسؤاله عن بعض الأشخاص، واضطراره
إلى أن يلعن بعض أصحابه "الصالحين"
تقية.[19] وهذا ما سمح لرجل ضال مثل "أبي الخطاب محمد بن أبي زينب مقلاص الأسدي الكوفي" الذي
كان يقول بألوهية الإمام الصادق، ونبوته، بالالتفاف على لعن الإمام له، وبراءته منه، بتأويل كلامه.[20]
وبالاضافة الى ذلك فان الكليني لم ينقل جميع أحاديثه بصورة مباشرة عن أشياخه الذين
يوثقهم، وانما اعتمد في جمع "الكافي" أيضا على
وجادة "الأصول الأربعمائة" التي كتبها شيعة سابقون من مختلف الفرق
والاتجاهات، المعتدلة والمغالية والمتطرفة. ومن المعروف أن الوجادة
أضعف طرق الرواية، ولا يمكن الاعتماد عليها كثيرا لاحتمال التزوير والتلاعب فيها
من قبل آخرين.
ورغم
أن الكليني لم يصرح باعتماده طريقة الوجدان الا انه أغفل ذكر
طريقة النقل عن شيوخه فلم يقل أخبرني أو حدثني أو سمعت من فلان، وانما اكتفى بذكر اسماء المشايخ
الذين نقل عنهم الرواية، كما انه لم ينقل
عنهم انهم قالوا حدثني فلان او أخبرني فلان، وانما اكتفى بالعنعنة عن كل شيخ عن الشيخ الآخر، وهو أقرب الى معنى الوجدان من الحديث المباشر.
ومع أن الشيعة
طوروا علم الرجال، في القرنين الرابع والخامس الهجريين، على يدي الكشي والنجاشي وابن الغضائري والطوسي، وقاموا بتصفية كثير من الروايات الضعيفة المنسوبة الى أئمة أهل البيت، الا انهم لا
يزالون حتى اليوم يختلفون في توثيق بعض الرجال أو جرحهم، اعتمادا على تقليد
السابقين في توثيق الرواة وجرحهم، ولم يقوموا بعملية نقد مستقلة للرجال، بعيدا عن
توثيق الأجيال القديمة المتهمة بالضعف والغلو والانحراف.
وبالطبع فان
عملية نقد الرجال لم تصل الى "الأئمة" من أهل
البيت، حيث لم يقم علماء الرجال ولا الفقهاء، ولا علماء الكلام، بمراجعة الأحاديث
المنسوبة الى الباقر والصادق حول نظرية الامامة نفسها، وكذلك الأحاديث التي ظهرت في القرن الرابع
الهجري حول عدد "الأئمة الاثني عشر". ولم
يجرؤ أحد من الشيعة على نقد "الأئمة" أنفسهم، أو التشكيك بأحاديثهم
"الصحيحة" و"المسلمة" والتساؤل عن مصدرها وكيفية اثباتها الى رسول الله.
الحشوية
وإذا كانت هنالك مناهج تسند وتصحح الرواية، أو تسند ولا
تلتزم بالتصحيح، فقد شهد الشيعة منهجا يعتمد الروايات الضعيفة، بدعوى: "أن
الضعيف يقوي بعضه بعضا" وأن "المتواتر ليس بحاجة الى
تحقيق في السند". وهذا ما فتح الباب واسعا أمام عمليات الوضع والاختلاق
والتزوير، لروايات وقصص أسطورية، وخاصة فيما يتعلق بولادة ووجود الإمام الثاني عشر
المهدي المنتظر "محمد بن الحسن العسكري" الذي ادعى الشيعة الاثنا عشرية أنه ولد في منتصف القرن الثالث الهجري، بصورة
سرية، وغاب بعد وفاة أبيه سنة 260 للهجرة، وأنه لا يزال حيا الى
اليوم، وسوف يظهر في المستقبل.
وبالرغم من عدم وجود اثباتات
تاريخية شرعية، أو روايات صحيحة، أو ظهور ذلك الولد منذ منتصف القرن الثالث الهجري
الى اليوم، الا أن الشيعة الاثني عشرية اعتقدوا بمولده ووجوده واستمرار حياته الى اليوم، بناء على فرضيات أيديولوجية، واعتمدوا على روايات
مختلقة ودون سند، هي أقرب الى الاشاعات
والأساطير، من أجل إنقاذ نظريتهم. كما قاموا بتأويل عدد كبير من الأحاديث الضعيفة
السابقة التي تتحدث بشكل غامض وعام عن خروج امام مهدي
في آخر الزمان واسقاطها على الولد المفترض ليدعوا أنه
المهدي. وبعد مرور فترة من الزمن أصبحت هذه الفرضية الوهمية جزءا من عقيدة الشيعة
التاريخية "الثابتة" و "المسلمة" التي لا تقبل النقاش.
ويلاحظ
المنهج الحشوي في بحث موضوع "الإمام المهدي"
ومحاولة إثبات ولادة "ابن العسكري" لدى عدد كبير ممن كتب عن الموضوع،
مثل الشيخ لطف الله الصافي الذي اتبع في كتابه "منتخب الأثر في النص على الامام الثاني عشر" منهجا أخباريا حشويا
متطرفا مرفوضا حتى من أقدم الإخباريين ، وهو قبول الروايات بدون أدنى تمحيص في
المتن أو السند ، وذلك اعتمادا على رواية مشايخ الطائفة لها أو وجودها في كتبهم
"المعتبرة" حيث قال:" ان ضعف السند إنما
يكون قادحا إذا لم يكن الخبر متواترا، واما في المتواتر
منه فليس ذلك شرطا في اعتباره".[21]
وربما كان كلامه يصح لو كان الموضوع فعلا
"متواترا" بحيث ينقله جميع الناس على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، كوجود
النبي محمد أو الإمام علي ، أو الحسن العسكري، ولكن موضوعا مجهولا سريا مختلفا
عليه، ومستنكرا من عائلة الإمام العسكري وأهل بيته، ولا يوجد أي أثر له منذ قرون،
لا يمكن أن يكون "متواترا" وبالتالي لا يمكن غض النظر عن التحقيق في سند
كل رواية.
3 - الافتراض
الوهمي
ولعل أغرب ما في منهج إثبات وجود "الإمام الثاني
عشر" عند الشيعة الاثني عشرية، هو لجوءهم لإثبات
وجوده وولادته، عن طريق "العقل" وليس عن طريق الأدلة التاريخية
المتعارفة في إثبات وجود أي إنسان في التاريخ. وذلك بعد أن وقعوا في أزمة نظرية
بسبب وفاة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري دون ولد يخلفه في الإمامة، التي كان
يجب أن تستمر في نظرهم الى يوم القيامة، في سلالة علي
والحسين بصورة عمودية. وبالرغم من أنهم لم يجدوا دليلا شرعيا أو تاريخيا واحدا
يثبت زعمهم الا أنهم اضطروا الى
افتراض وجود "ولد" له، لكي ينقذوا نظريتهم من الانهيار.
فقد قام المتكلم الشيعي أبو سهل إسماعيل بن علي
النوبختي، بالاستدلال على "وجود" ابن الحسن،
بالعقل. وذكر في كتابه (التنبيه) الذي ألفه بعد ثلاثين عاما من (الغيبة) :"
إن الشيعة قد علموا بوجود ابن الحسن بالاستدلال ، كما عرفوا الله والنبي وأمور
الدين كلها بالاستدلال" .[22] واعتبر الشيخ المفيد ( 338هـ - 413 هـ)
:" الدليل العقلي الذي يقتضي وجود الإمام المعصوم في كل زمان دليلاً
كافياً على وجود ابن الحسن وحصر الإمامة فيه" ، و قال:" إن هذا أصل لن
يحتاج معه إلى رواية النصوص لقيامه بنفسه في قضية العقول، وصحته بثابت
الاستدلال" . [23] وقال السيد المرتضى علم الهدى ( 355 هـ - 436
هـ):" إن العقل يقتضي بوجوب الرياسة في كل زمان ، وان الرئيس لا بد من كونه
معصوما.. وإذا ثبت هذان الأصلان فلا بد من القول : انه
(صاحب الزمان) بعينه ، لأن الصفة التي اقتضاها ودلّ على وجوبها لا توجد إلا فيه ،
وتساق الغيبة بهذا سوقا ضروريا لا يقرب منه شبهة.. ولأنه إذا بطلت إمامة من أثبتت
له الإمامة بالاختيار، لفقد الصفة التي دلّ العقل عليها ، وبطل قول من خالف من شذاذ الشيعة ، فلا مندوحة عن مذهبنا ، فلا بد من صحته ، وإلا
خرج الحق عن الأمة" . [24] ونفى
المرتضى الحاجة إلى مشاهدة الإمام للإيمان به، بعد إمكانية التعرف عليه
بالاستدلال العقلي. [25] وقال الشيخ الطوسي (
385هـ - 460 هـ) :" إن كل من قطع على وجوب اعتبار الدليل العقلي قطع على وجود
(صاحب الزمان) وإمامته. .. بدليل: إن كل
زمان لا بد فيه من إمام معصوم". وقسم الطوسي
الأدلة على ولادة (صاحب الزمان) إلى قسمين عقلية ونقلية،
وركز على أهمية القسم الأول بصورة مستقلة ، فقال:" أما الكلام في ولادة صاحب
الزمان وصحتها فأشياء اعتبارية وأشياء إخبارية، فأما الاعتبارية فهو: إذا ثبت
إمامته بما دللنا عليه من الأقسام وإفساد كل قسم منها إلا القول بإمامته ، علمنا
بذلك صحة ولادته ، وان لم يرد فيه خبر أصلاً ". وتصدى
لإبطال صحة ادعاءات الفرق الشيعية المختلفة من الكيسانية
والناووسية والفطحية والواقفية وغيرها من الفرق التي ادعت العصمة لأئمتها ،
واستنتج من ذلك: "ضرورة صحة إمامة ابن الحسن ، وصحة غيبته" ونفى
"الحاجة إلى تكلف الكلام في إثبات ولادته وسبب غيبته ، لأن الحق لا يجوز
خروجه عن الأمة" .[26]
[1]
- الكليني، الكافي،
كتاب العقل، كتاب فضل العلم، باب البدع والرأي والمقائيس،
ح رقم 7
[2]
- وينسب الإمامية أحاديث إلى جعفر الصادق بأنه كان يدعي معرفة ذلك
العلم، ويقولون أنه سأل أبا حنيفة ذات مرة قائلا:"
أنت فقيه العراق؟ قال : نعم، قال : فبَِمَ تفتيهم ؟ قال : بكتاب الله وسنة نبيه
(ص) ، قال : يا أبا حنيفة! تعرف كتاب الله حق معرفته ؟ وتعرف الناسخ والمنسوخ ؟
قال : نعم ، قال : يا أبا حنيفة! لقد ادعيت علماً ، ويلك ما جعل الله ذلك إلا
عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم ، ويلك ولا هو إلا عند الخاص من ذرية
نبينا محمد (ص) ، وما ورثك الله من كتابه حرفا". الكاشاني، الوافي ، ح رقم [ 33177 ] 27
[3]
- الكليني، الكافي،
كتاب الروضة، ح رقم 8240 – 1
[4]
- الكليني، الكافي، كتاب الحجة، باب فيه
ذكر الصحيفة والجفر والجامعة، ح رقم 6
[5]
- روى الكشي
عن سالم بن أبي حفصة (البتري)
أنه دخل على أبي عبد الله فقال
له: عند الله نحتسب مصابنا
برجل كان إذا حدث قال: قال رسول الله (ص) (ويقصد الإمام الباقر) فقال أبو
عبد الله ردا عليه:" قال الله تعالى: ما من شئ إلا وقد وكلت به غيري
إلا الصدقة فإني أتلقفها بيدي تلقفا، حتى أن الرجل والمرأة ليتصدق بتمرة أو بشق تمرة
فأربيها له كما يربي الرجل فلوه أو فصيله فيلقاه يوم
القيامة وهي مثل أحد أو أعظم من أحد".
الكشي، ترجمة الحسن بن صالح بن حي.
[6]
- حيث نسبوا
للإمام الصادق أنه قال:"فما فوض الله إلى رسوله (ص) فقد فوضه إلينا"
وقال:" لا والله ما فوض الله إلى أحد من خلقه إلا إلى رسول الله (ص) وإلى
الأئمة، قال عز وجل: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق
لتحكم بين الناس بما أريك الله. وهي جارية في الأوصياء عليهم السلام". الكليني، الكافي، كتاب الحجة، باب
التفويض إلى رسول الله والأئمة أمر الدين، ح رقم1 و 8 و 9
[7]
- الكاشاني،الوافي، [
33362 ] 29
[8]
-الكاشاني، الوافي، [
33363 ] 30
[9]
-الكاشاني، الوافي، [ 33364 ] 31
[10]
-الكاشاني، الوافي، [
33375 ] 42 ويوغل حديث منسوب الى الرضا في ممارسة
منهج المخالفة من أجل المخالفة، عندما يسأله علي بن أسباط قائلا: يحدث الأمر لا
أجد بداً من معرفته، وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك؟ فيقول له:
" ائت فقيه البلد فاستفته من أمرك ، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه ، فإن الحق
فيه". ويقول الرضا أيضا:"إذا ورد عليكم خبران مختلفان ، فانظروا إلى ما
يخالف منهما العامة فخذوه ، وانظروا إلى ما يوافق أخبارهم فدعوه". الوافي، [ 33356 ] عن عيون أخبار الرضا 1 : 275 | 10 و الوافي، [ 33367 ] 34
[11]
- الكليني، الكافي،
كتاب الإيمان والكفر، باب التقية، ح رقم 7
[12]
- الوافي، [ 33346 ] عن الكافي 1 : 31 | 4
[13]
- الوافي، [ 33379 ] 46 وعن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله عن القنوت فقال: فيما يجهر فيه بالقراءة، قال: فقلت
له: إني سألت أباك عن ذلك فقال: في الخمس كلها؟ فقال: رحم الله أبي إن أصحاب أبي
أتوه فسألوه فأخبرهم بالحق ثم أتوني شكاكا فأفتيتهم بالتقية. الكليني،
الكافي، ح رقم 5122 - 3
[14]
- الكليني، الكافي، كتاب الحجة، باب ما
نص الله ورسوله على الأئمة واحدا بعد واحد، ح رقم 2
[15]
- الكليني، الكافي، كتاب الحجة، باب ما
نص الله ورسوله على الأئمة واحدا بعد واحد، ح رقم 6
[16]
- الكليني، الكافي، كتاب الحجة، باب ما
نص الله ورسوله على الأئمة واحدا بعد واحد، ح رقم 6 و باب الإشارة والنص على الحسن بن علي، ح رقم 1
و 5 و باب الإشارة والنص على الحسين بن علي، ح رقم 2
[17] - حيث
يقول:" ما أكثر ما يكذب الناس عليَّ". و" إنا أهل بيت صديقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا
بكذبه علينا عند الناس" . و"
إن ممن ينتحل هذا الأمر ليكذب حتى أن الشيطان ليحتاج إلى كذبه". و" إن ممن ينتحل هذا
الأمة لمن هو شر من اليهود، والنصارى، والمجوس، والذين أشركوا".
الكليني،
الكافي، كتاب الروضة، ح رقم 362 و ح رقم 293 و كتاب الإيمان والكفر، باب التقية، ح
رقم 10 و الكشي. ترجمة بن أبي زينب الأسدي، ح رقم5 و9 و 11 و 18
[18]
- وقد أورد الكشي في ترجمة زرارة بن أعين،
أن الإمام الصادق قال لابنه عبد الله: "
اقرأ مني على والدك السلام وقل له: إني أنا أعيبك دفاعا مني عنك، فإن الناس والعدو
يسارعون إلى كل من قربناه وحمدنا مكانه لإدخال الأذى في من نحبه ونقربه، ويرمونه لمحبتنا
له وقربه ودنوه منا، ويرون إدخال الأذى عليه وقتله ويحمدون كل من عبناه نحن، فإنما
أعيبك لأنك رجل اشتهرت بنا وبميلك إلينا، وأنت في ذلك مذموم عند الناس غير محمود
الأثر بمودتك لنا ولميلك إلينا. فأحببت أن أعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك
ونقصك، ويكون بذلك منا دفع شرهم عنك، يقول الله عز وجل:
(أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ
كل سفينة غصبا)". الكشي،
ترجمة زرارة بن أعين.
[19]
- الكليني، الكافي،
كتاب الروضة، رسالة الإمام الصادق، حديث رقم 1
[20] - حيث قال: إن الإمام يريد بلعنه إيانا في الظاهر أضدادنا في الباطن، وتأول قول
الله تعالى:"واما السفينة
فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت ان أعيبها وكان وراءهم ملك
يأخذ كل سفينة غصبا". الأشعري
القمي، سعد بن عبد الله، المقالات والفرق، ص 55
[21] - الصافي، منتخب الأثر، ص 2
[22] - الصدوق، إكمال الدين، ص 92
[23] - المفيد، الإرشاد، ص 347
[24] - المرتضى، رسالة في الغيبة، ص 2 - 3
[25] - المرتضى، الشافي، ج 1، ص 79
[26] -
الطوسي، تلخيص الشافي، ص 211 و مسائل كلامية / المسائل العشر، ص 99 و الغيبة، ص 3 و 4 و 15 و
138