الموقف من إقامة الحدود

 وقد انعكست نظرية (الانتظار) التي التزم بها أولئك العلماء ، أيضا ، على مسألة إقامة الحدود في (عصر الغيبة) ، فبما ان المسلمين يجمعون على ان تنفيذ الحدود واقامتها من مهام الامام (اي الدولة) وبما ان اولئك العلماء كانوا يعتقدون ان الشخص الوحيد الذي يحق له تأسيس الدولة الإسلامية هو :(الامام المهدي الغائب) فقد اضطروا الى تعليق مهمة تنفيذ الحدود عليه فقط ، وتحريم اقامتها لغيره .. وقد أدى هذا الموقف الى تجميد العمل بالحدود في (عصر الغيبة) والانتظار الممتد الى خروج الامام المهدي .

وقد أفتى السيد المرتضى بذلك في (رسائله) وعلّق تطبيق الحدود على المجرمين حال غيبة الامام حتى يظهر ، وقال:· ان ظهر الامام والمستحق للحدود باقٍ وهي ثابتة عليه بالبينة والإقرار استوفاها منه ، وان فات ذلك بموته كان الإثم على من أخاف الامام وألجأه الى الغيبة ، وليس ينسخ الشريعة في إقامة الحدود ، لأنه انما يكون نسخا لو سقط فرض إقامتها مع التمكين وزوال الأسباب المانعة من أقامتها ، واما مع عدمه والحال ما ذكرنا فلا . 1

ونفى ان تكون الامة مخاطبة بتنفيذ الحدود حتى تكون مذمومة بتضييعها ، وقال:· ان اقامة الحدود من فرض الأئمة (ع) وعباداتهم

التي يختصون بها . 2

ورفض الشيخ الطوسي في (الغيبة) اعتبار تجميد الحدود في عصر الغيبة بمثابة السقوط ، وأصرّ على انها باقية في جنوب مستحقيها ، فان ظهر الامام ومستحقوها باقون أقامها عليهم بالبينة او الاقرار ، وان كان فات ذلك بموته ، كان الأثم في تفويتها على من أخاف الامام وألجأه الى (الغيبة) ، ولم يعتبر ذلك نسخا لاقامة الحدود · لأن الحد انما يجب إقامته مع التمكن وزوال المانع ، ويسقط مع الحيلولة ، وانما يكون ذلك نسخا لو سقط اقامتها مع الامكان وزوال المانع . 3

وقال في :(النهاية) :· اما اقامة الحدود .. فليس يجوز لأحد اقامتها الا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى او من نصبه الامام لاقامتها ، ولا يجوز لأحد سواهما إقامتها على حال . 4

 وقد استثنى ( المفيد والمرتضى والطوسي) حالات خاصة هي إقامة الحدود على الأهل والأولاد والعبيد مع أمن الضرر ، وفيما اذا اجبر الحاكم الظالم أحدا على إقامة الحدود . 5

وعلق ابو الصلاح الحلبي في :( الكافي في الفقه) مهمة تنفيذ الأحكام الشرعية ، بصورة أولية ، على الأئمة ( عليهم السلام) وقال: انها من فروضهم المختصة بهم دون من عداهم ممن لم يؤهلوا لذلك . وذكر عدم جواز تولي عامة الناس غير الشيعة إقامة الحدود ، ولا التحاكم اليه ، ولا التوصل بحكمه الى الحق ولا تقليده الحكم مع الاختيار ، الا لمن تكاملت له شروط النيابة عن الامام . 6

واشترط القاضي ابن براج في (المهذب) إذن الامام المعصوم في تنفيذ الحدود في عصر الغيبة. 7

والقى الشيخ علاء الدين ابو الحسن الحلبي في :(إشارة السبق) الإثم في تعطيل الحدود في عصر الغيبة على من أحوج الامام (المهدي) الى الغيبة ، مع بقائها في ذمم من تعلقت به . 8

وقال الشيخ محمد بن ادريس الحلي ( توفي سنة 598ه ) في :(السرائر) :· اما إقامة الحدود فليس يجوز لأحد إقامتها الا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى او من نصبه الامام لاقامتها ، ولا يجوز لأحد سواهما إقامتها على حال . وقد روي : ان من استخلفه سلطان ظالم على قوم وجعل اليه إقامة الحدود جاز له ان يقيمها .. ويعتقد انه انما يفعل ذلك بأذن سلطان الحق . والأولى في الديانة ترك العمل بهذه الرواية ، بل الواجب ذلك .. لأن الإجماع حاصل منعقد من أصحابنا ومن المسلمين جميعا : انه لا يجوز إقامة الحدود ، ولا المخاطب بها الا الأئمة ، والحكام القائمون بأذنهم في ذلك ، فأما غيرهم فلا يجوز له التعرض لها على حال ، ولا يرجع عن هذا الإجماع بأخبار الآحاد ، بل بإجماع مثله او كتاب او سنة متواترة مقطوع بها . 9

 وقد رفض المحقق الحلي في :(شرائع الإسلام) جواز إقامة الحدود لأي أحد ما عدا الامام المعصوم او من نصبه لاقامتها. وتردد في جواز إقامة الرجل الحد على ولده وزوجته ، واختار من باب الاحوط عدم جواز التولي للجائر القامة الحدود حتى وان نوى انه يفعل ذلك بأذن الامام الحق . 10

وقال في :( المختصر النافع): · الحدود لا ينفذها الا الامام او من نصبه . 11

وقال في :(تذكرة الفقهاء): · لا يجوز لأحد إقامة الحدود الا الامام او من نصبه الامام لاقامتها ، ولا يجوز لأحد سواهما اقامتها على حال . 12

 وقال محمد بن الحسن الحلي ، صاحب :( إيضاح الفوائد في شرح اشكالات القواعد):· لو جاز إقامة الحدود في عصر الغيبة لجاز الجهاد من غير أذن الامام (ع) لكن التالي باطل إجماعا فالمقدم مثله ، والملازمة ظاهرة . 13

وكان المقدس الاردبيلي قد رفض أيضا إقامة الحدود في (عصر الغيبة) وقال في (مجمع الفائدة والبرهان ) : · الظاهر: عدم الخلاف في عدم جواز إقامة الحدود الا بأذنه (ع) بالرغم من قوله :· لا ينبغي التردد في جواز قيام المتولي من قبل الجائر بتنفيذ الحدود معتقدا نيابة الامام اذا كان مجتهدا . 14

وقال الملا محمد باقر السبزواري في :(كفاية الاحكام) :· اما إقامة الحدود فللإمام او من يأذن له . 15

و رفض الشيخ بهاء الدين العاملي محمد بن الحسين بن عبد الصمد الذي اصبح شيخ الإسلام في اصفهان في زمان الشاه عباس الكبير ، إقامة الحدود في (عصر الغيبة) اذا أدت الى القتل او الجرح . 16

أذن فان نظرية (التقية والانتظار) قد انعكست على جوانب الحدود وجمدت تطبيقها في (عصر غيبة الامام المهدي) بصورة أولية.