|
المبحث الثامن: الديكتاتورية · الدينية
المطلب الأول: نقد نظرية : (النيابة العامة ) ان الحديث عن (النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي) في (الغيبة الكبرى ) هو فرع لثبوت (النيابة الخاصة) التي ادعاها (الوكلاء ) في فترة (الغيبة الصغرى) . وان القول بذلك يبتنى على القول بوجود وولادة (الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري) ووجود غيبتين له ، وإذا لم نستطع التأكد من وجود هذا (الإمام ) فان تلك النظرية تتلاشى بالطبع من باب الأولى ، ومع ذلك فان من المفيد بحث أسس نظرية (النيابة العامة) ومعرفة كيفية نشوئها وتطورها ، وهل كانت معروفة لدى الشيعة الامامية في بداية (الغيبة الكبرى) التي يقال انها ابتدأت بعد وفاة (النائب الرابع : علي بن محمد الصيمري)؟. أم انها نظرية ظنية استنبطها بعض العلماء في وقت لاحق وطوروها عبر التاريخ ، ولم يكن لها وجود في القرن الرابع الهجري ؟.. لقد توفي (النائب الخاص الرابع : علي بن محمد الصيمري) سنة 329ه ولم يتحدث عنها ببنت شفة ، حيث يقول الطوسي : · ان الإمام المهدي اخبر السمري بقرب رحيله وأمره بعدم الوصية إلى أحد ووقوع الغيبة التامة وعندما سئل السمري عن الوصي بعده قال:· لله أمر هو بالغه وقضى . 1 ولو كان لنظرية (النيابة العامة) أي رصيد من الواقع لتحدث عنها (الإمام المهدي ) - على فرض وجوده - أو (النائب الرابع) بدلا من ان يترك الشيعة يتخبطون قرونا طويلة في ظلمات الحيرة . ومن هنا فلم يعرف الشيخ الصدوق نظرية النيابة العامة ، ولم يشر إليها أبدا بالرغم من روايته ل : ·توقيع إسحاق بن يعقوب عن العمري عن المهدي :( وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله ). وذلك اما للشك بصحة · التوقيع المروي عن مجهول هو (إسحاق بن يعقوب) واما لعدم دلالته على (النيابة العامة ) خاصة وانه يتحدث عن الرجوع إلى الرواة في ظل (النيابة الخاصة) وفي أيام ( السفير الثاني : العمري) . وإذا كانت النيابة الخاصة المتصلة - حسب الفرض - بالإمام المهدي محدودة وغير سياسية ، فكيف يمكن ان يفهم من (التوقيع) معنى اكبر وأوسع منها ؟. وربما كانت الحوادث الواقعة المقصودة في (التوقيع) تعني حوادث معهودة خارجية أحال التوقيع السائل للاستفسار عنها إلى رواة الأحاديث . وقد فهم بعض العلماء المتأخرين من هذه الجملة ضرورة الرجوع إلى الرواة (الفقهاء) القادرين على استنباط الأحكام (الحوادث الواقعة ) بمعنى المسائل المستجدة . ويبدو ان هذا المفهوم أيضا كان بعيدا عن افهام العلماء السابقين في العصر الاخباري الأول ، حيث كان الاجتهاد بمختلف أشكاله ممنوعا ومحرما لدى الامامية . اما مقبولة عمر بن حتظلة ومشهورة أبى خديجة فبالرغم من ضعف سنديهما ، فان دلالتهما أيضا قاصرة عن إثبات (النيابة العامة) . وكل ما يمكن الاستفادة منهما هو ضرورة اختيار الشيعة للحكام (القضاة) العدول ممن روى شيئا من أحاديث أهل البيت ، وموافقة الإمام الصادق على اختيار الشيعة بتلك الصورة وامضائه .. وليس في ذلك أي جعل أو نصب أو تعيين من الإمام الصادق لكل فقيه أو راوٍ واعطاؤه (النيابة العامة) للحكم بدلا عنه . إذ لم يفهم أحد من الشيعة في عهد الإمام الصادق وفي بقية عهود الأئمة (ع) وفي فترة (الغيبة الصغرى) وفي القرون الأولى من (الغيبة الكبرى) مفهوم (النيابة العامة) منها . وان جميع الروايات تتحدث عن (الرواة) وليس عن (الفقهاء) بالمعنى الحديث للكلمة الذي ولد في القرن الخامس الهجري وهو (المجتهدين الأصوليين) فهل يمكن لأحد ان يقول : · ان كل من روى شيئا من أحاديث أهل البيت هو نائب عن الإمام المعصوم ومنصوب ومجعول ومعين من قبله على الناس ؟ وهكذا لم تتحدث الرسائل الثلاث التي يقال ان ( الإمام المهدي) قد أرسلها إلى الشيخ المفيد ، عن (النيابة العامة للفقهاء) وخلت من الإشارة إلى تفويضه أو تفويض الفقهاء بأي منصب قيادي في (عصر الغيبة الكبرى). وبالرغم من ذلك فقد كان الشيخ المفيد أول من تحدث في (المقنعة) عن تفويض الأئمة للفقهاء إقامة الحدود في عصر الغيبة ، وتحدث عن (الإمارة الحقيقية عن صاحب الأمر) لمن تأمر على الناس من أهل الحق بتمكين ظالم له . وكان ذلك منه افتراضا اكثر منه قولا بيقين ، وقد انطلق في محاولته استنباط نظرية (النيابة العامة ) من الأحاديث السابقة (مقبولة عمر بن حنظلة ومشهورة أبى خديجة وتوقيع إسحاق بن يعقوب) التي تعطي الإذن لرواة أحاديث أهل البيت بممارسة القضاء من دون الحاجة إلى إذن خاص من الأئمة. 2 وتحدث السيد المرتضى والشيخ الطوسي وسلار عن فرضية تفويض الأئمة العام للفقهاء في مجال الحدود والقضاء . وكان أول من استخدم مصطلح (النيابة عن ولي الأمر عليه السلام) هو أبو الصلاح الحلبي ( توفي سنة 447) وقد حاول ان يسحب موضوع (النيابة) إلى أبواب الزكاة والفطرة والخمس والأنفال ، ولكنه لم يعزز محاولته بأي دليل . وكرر القاضي ابن براج (توفي سنة 481) الآراء السابقة وأوصى بتسليم الخمس إلى الفقهاء لكي يحتفظوا به إلى خروج المهدي ، وقد التقط ابن حمزة هذا التطور لكي يتقدم خطوة إلى الإمام فيقول بتولي الفقيه لتقسيم سهم الإمام بدلا من الاحتفاظ به إلى ظهور المهدي ، دون ان يوجب ذلك أو يسنده إلى رواية معينة . وجاء المحقق الحلي ( توفي سنة 676) بعد ذلك لكي يطور نظرية (النيابة العامة) ويتحدث عن :· من له الحكم بحق النيابة . وهكذا تبعه العلامة الحلي والشهيد الأول والشيخ ابن فهد الحلي والسيد محمد جواد الحسيني العاملي ، والشهيد الثاني ، الذين تحدثوا عن نصب الفقيه الشرعي عموما من قبل الإمام الصادق ، لقوله في مقبولة عمر بن حتظلة :· فاني قد جعلته عليكم حاكما . وقام المحقق الكركي ( توفي سنة 940ه ) بناء على القول بنظرية (النيابة العامة) بإعطاء (الشاه طهماسب بن اسماعيل الصفوي ) الشرعية بالحكم باسمه كنائب عام عن الإمام المهدي . وقد أثار التطور السياسي الكبير الذي حدث في تاريخ الشيعة والذي نقلهم من مرحلة (التقية والانتظار) إلى مرحلة إقامة الدولة في (عصر الغيبة) بعدما ادعى (الشاه اسماعيل الصفوي) النيابة الخاصة عن الإمام المهدي .. أثار ذلك التطور جدلا واسعا في صفوف الفقهاء وفتح الباب واسعا امام القول بنظرية (النيابة العامة) وتعزيزها بقوة ، وتطويرها نحو حكم الفقهاء بصورة مباشرة على يدي النراقي في منتصف القرن الثالث عشر الهجري . و قد استند النراقي في ذلك على أحاديث عامة وضعيفة اعترف هو بضعفها ، ولكنه · لم يجد ضررا في ذلك بعد انجبارها بعمل الأصحاب وانضمام بعضها ببعض وورود أكثرها في الكتب المعتبرة على حد قوله. 3 و دخل الشيخ رضا الهمداني ( توفي سنة 1310ه ) إلى نظرية (النيابة العامة) التي اسماها :(القائمقامية للفقيه عن الإمام المهدي) من باب القضاء و · حق القاضي بالقيام مقام كل من أمر بمعروف غير مقيد بمعروفيته بقدرة ذلك الشخص ، فعجز عن إقامته لغيبته أو قصوره ، ووجوب قيام الحاكم مقامه في أداء ما وجب عليه . 4 واعتبر الهمداني (التوقيع) الذي يرويه إسحاق بن يعقوب عن العمري عن المهدي عمدة الأدلة في نظرية النصب ، واستفاد منه : ثبوت منصب الرئاسة والولاية للفقيه وكون الفقيه في زمان الغيبة بمنزلة الولاة المنصوبين من قبل السلاطين على رعاياهم في الرجوع إليه ، وإطاعته فيما شأنه الرجوع إلى الرئيس ... . 5 وذلك بالرغم من ضعف الدليل سندا ومتنا وعدم دلالته على اكثر من الرجوع إلى الرواة عند الحاجة لمعرفة الأحكام في الحوادث الواقعة . و مع ان الإمام الخميني اعتمد في قوله بنظرية (ولاية الفقيه) على التوقيع المروي عن (الإمام المهدي): (واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله) إلا انه اعتمد بصورة رئيسية على روايات عامة عن الرسول الأعظم (ص) مثل (الفقهاء ورثة الأنبياء و وحصون الأمة وخلفاء الرسول) وروايات خاصة عن الإمام الصادق (ع) مثل (اتقوا الحكومة فأنها لنبي أو وصي نبي) واستنتج من هذه الأحاديث العامة والخاصة معنى الوراثة والخلافة السياسية والولاية التامة للفقهاء كما كانت للرسول الأعظم (ص) والأئمة من أهل البيت (ع) حسب النظرية الامامية ، وقال:· كما ان الرسول الأعظم جعل الأئمة (ع) خلفاء ونصبهم للخلافة على الخلق أجمعين ، جعل الفقهاء ونصبهم للخلافة الجزئية... وتحصل مما مر ثبوت الولاية للفقهاء من قبل المعصومين (ع) في جميع ما ثبت لهم الولاية فيه من جهة كونهم سلطانا على الأمة . 6 و لذلك اعتبر الإمام الخميني الفقهاء اكثر من ( نواب للإمام المهدي الغائب ) وإنما أيضا : أوصياء للرسول (ص) من بعد الائمة ، وفي حال غيابهم ، وقد كلفوا بجميع ما كلف به الائمة بالقيام به . 7 واستخرج نظرية الجعل والنصب والتعيين للفقهاء من قبل الإمام الصادق (ع) من مقبولة عمر بن حنظلة:· فاني قد جعلته عليكم حاكما . 8 واعتبر الإمام الخميني - بناء على ذلك - ولاية الفقهاء على الناس مجعولة من قبل الله كولاية الرسول والأئمة من أهل البيت ، وانها ولاية دينية إلهية . 9 ولكن الشيخ المنتظري ناقش الإمام الخميني في دلالة مقبولة عمر بن حنظلة والأحاديث الأخرى على النصب والجعل والتعيين ، وقال انها تدل على الانتخاب ولا يصح الاستدلال بها لإثبات الولاية المطلقة بالنصب . 10 وهذا مما يدل على ان نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي ) أو (الخلافة والوصاية والقائمقامية) نظرية افتراضية ضعيفة لا يوجد عليها أدلة نقلية قوية وواضحة . وكانت نظرية (النيابة العامة ) تقوم على أساس الإيمان بوجود الإمام المعصوم وهو (المهدي المنتظر) وحصر الخلافة الشرعية به ، وعدم جواز تصدي غير المعصوم لممارسة مهماته السياسية التي يشترط فيها العصمة ، وعدم معقولية النيابة الخاصة أو العامة في أمور (الإمامة) . ومن هنا كانت أبعاد نظرية (النيابة العامة) في البداية محدودة جدا بأداء بعض الأمور (الحسبية) التي لا ترقى إلى مستوى تأسيس الدولة في (عصر الغيبة) . وكانت المشكلة الرئيسية التي حالت دون قول بعض الفقهاء (كالشيخ محمد حسنالنجفي صاحب الجواهر ) بنظرية (الولاية العامة) هي فلسفتهم عن سر (غيبة الإمام المهدي) واعتقادهم بعدم توفر الظروف الموضوعية للخروج ، ومن ثم اعتقادهم بعدم إمكانية إقامة الدولة في (عصر الغيبة) فضلا عن جوازها ، وذلك لوجود الخوف والإرهاب الذي يمنع الإمام من الظهور ، كما يقول النجفي (صاحب الجواهر) ، الذي قال بنظرية (النيابة العامة) بشكل محدود ، ولكنه لم يقل بنظرية (ولاية الفقيه العامة) بسبب إيمانه بعدم إمكانية تحقق ذلك · وإلا لظهرت دولة الحق . وذلك إضافة إلى عدم قيام الأدلة العقلية لديهم بمقاومة أدلة نظرية (الإمامة الإلهية ) ووليدتها نظرية (الانتظار) . وربما كان هذا هو السبب في إحجام عدد من العلماء الذين قالوا بنظرية :(ولاية الفقيه العامة) كضرورة لا بد منها في (عصر الغيبة) ولو من باب الحسبة ، عن مد النظرية إلى بعض أبواب الفقه كالجهاد وصلاة الجمعة والحدود ، التي اشترطوا فيها إذن الإمام المعصوم (المهدي المنتظر ). بينما كانت نظرية (ولاية الفقيه) تقوم على أساس منطق كلامي جديد يحتم قيام الدولة في عصر الغيبة كضرورة اجتماعية لا مفر منها ، ولا يلتزم بشرط توفر (العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية) في (الإمام المعاصر) ويكتفي بتوفر شرط (العلم والعدالة والتصدي والكفاءة الإدارية) .
المطلب الثاني : نقد نظرية (ولاية الفقيه) وفي الحقيقة .. لم يدع أحد من أنصار ولاية الفقيه قوة سند تلك الروايات ، وإنما حاولوا تعضيدها بالعقل وعدم إمكانية بقاء الحكومة بلا والٍ ، وقالوا ان الفقيه هو القدر المتيقن المسموح به على قاعدة اختصاص الولاية بالله والرسول والأئمة الاثني عشر . و قد قام النراقي في الاستدلال على ضرورة إقامة الدولة في عصر الغيبة بالأدلة العقلية ثم حصر الجواز في الفقهاء فقط ، بناء على تلك الأخبار الضعيفة ، والتي قد تعطي معنى النيابة والخلافة عن النبي الأعظم (ص) وليس الأئمة من أهل البيت ، كحديث :( اللهم ارحم خلفائي ) وحديث ( العلماء ورثة الأنبياء) وما شابه ، ولم يطرح (النيابة العامة عن الإمام المهدي ) بصراحة و بقوة . ولذلك استعان بالاطلاقات المستفادة من مثل قوله تعالى (اقطعوا) و (اجلدوا) واستدل بالإجماع المركب القاضي بعدم جواز ترك الحدود وإهمالها ومسئولية الأمة في تنفيذها على ثبوت الولاية للفقهاء وحصرها فيهم . 11 كما استعان ب (الضرورة ) و (الإجماع) و ( الأخبار المستفيضة) العامة لتكوين نظريته في (ولاية الفقهاء) . 12 ونتيجة لضعف الأدلة النقلية وعجزها عن إثبات الولاية للفقيه بالنيابة العامة عن الإمام المهدي ، فقد حاول الشيخ حسن الفريد (توفي سنة 1417 ه ) ان يشيد نظرية (ولاية الفقيه) على أساس :(الحسبة) واعترف في ( رسالة في الخمس) بعدم استفادة نظرية الولاية من الكتاب والسنة ، بل من دليل الحسبة والضرورة . 13 واعتبر السيد البروجردي مقبولة عمر بن حنظلة · شاهدا على نظرية (النيابة العامة) بعد ان استدل عليها بالمنطق القياسي وقال:· ان الأئمة (ع) اما انهم لم ينصبوا أحدا للأمور العامة وأهملوها ، واما انهم نصبوا الفقيه لها ، لكن الأول باطل فثبت الثاني ، وهذا قياس استثنائي مؤلف من قضية منفصلة حقيقية وحملية دلت على رفع المقدم فينتج وضع التالي وهو المطلوب . 14 وهكذا حاول السيد محمد رضا الكلبايكاني ان ينظّر لولاية الفقيه بالأدلة الفلسفية التي توجب إقامة (الإمامة ) في كل عصر ، وعدم جواز بقاء الأمة بدون قيادة . 15 ولم يطرح نظرية (نيابة الفقهاء العامة) وإنما طرح نظريته حول (ولاية الفقيه) بصورة مستقلة ، واعتمادا على الأدلة العقلية العامة التي توجب إقامة الدولة وتطبيق أحكام الدين ، والأدلة النقلية العامة التي تعتبر العلماء ورثة الأنبياء ، والأدلة المثبتة للأحكام مثل قوله تعالى (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب . السارق والسارق فاقطعوا أيديهما . الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) بضميمة العلم بأن الشارع أراد تحققها في الخارج . 16 وكذلك فعل الإمام الخميني الذي نظر عقليا لوجوب إقامة الدولة في عصر الغيبة . (17) وأكد في (الحكومة الإسلامية) : عدم وجود النص على شخص من ينوب عن الإمام المهدي حال غيبته. 18 وقد رفض الإمام الخميني الأدلة · العقلية والنقلية التي قدمها ويقدمها علماء الكلام الاماميون السابقون الذين كانوا يشترطون العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الإمام ، و استخدم العقل في رفض نظرية الانتظار السلبية المخدرة التي تحرم إقامة الدولة في (عصر الغيبة) إلا للإمام المعصوم الغائب ، وتساءل:· هل تبقى أحكام الإسلام معطلة حتى قدوم الإمام المنتظر؟.. ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ وهل ينبغي ان يخسر الإسلام من بعد (الغيبة الصغرى) كل شيء؟.. وضعّف عقليا الأحاديث · المتواترة و التي كان يجمع عليها الامامية في السابق ، والتي تقول:· ان كل راية ترفع قبل راية المهدي فهي راية ضلالة وصاحبها طاغوت يعبد من دون الله . وقد استخدم المقدمة الامامية الأولى في ( ضرورة وجود امام في الأرض ) لينطلق منها إلى إثبات (ضرورة الإمامة في هذا العصر) وقال:· ان مطلوبية النظام معلومة لا ينبغي لذي مسكة عقل إنكارها . وعلى أي حال فقد كانت نظرية (ولاية الفقيه) التي تحصر الحق في ممارسة السلطة في (الفقهاء) هي الأخرى محل نقاش كبير بين العلماء . لأن تلك الروايات الخاصة والعامة التي اعتمدت عليها كانت هي الأخرى ، ولا تزال ، محل نقاش كبير في سندها ودلالتها ، مما يضعف الاستدلال على حصر حق الحكم في الفقهاء ، إذ ان مناط الفقه غير مناط الحكم والقدرة على إدارة البلاد ، نعم قد يستحسن ان يكون الحاكم فقيها ، ولكن لا علاقة للفقه بالحكومة ، إذ قد يستعين الحاكم بالفقهاء ويكوّن منهم مجلسا للشورى ، وربما يقال: ان الحاكم يجب ان يكون فقيها بما يحتاج إليه من أمور الإدارة والسياسة والاقتصاد ، ولا يجب ان يكون فقيها بمسائل الحلال والحرام الأخرى . وهناك أمور تتعلق بالقوة والأمانة ، كالأشراف على أموال اليتامى والمجانين ولا علاقة لها بالفقه والاجتهاد. وقد رفضها بعض العلماء المحققين كالشيخ مرتضى الانصاري ( 1216 - 1281) الذي ناقش في (المكاسب) أدلة القائلين بالولاية العامة ، حيث استعرض الروايات العامة التي يتشبثون بها ، وأنكر دلالتها على الموضوع ، وحدد دلالتها في موضوع الفتيا والقضاء فقط ، وشكك في صحتها ودلالتها وقال:· لكن الانصاف بعد ملاحظة سياقها (الروايات) أو صدرها أو ذيلها يقتضي الجزم بأنها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية لا كونهم كالأنبياء أو الأئمة (ص) في كونهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم ... وان إقامة الدليل على وجوب إطاعة الفقيه كالإمام - إلا ما خرج بالدليل - دونه خرط القتاد . 19 وقد رفض السيد أبو القاسم الخوئي في (التنقيح في شرح العروة الوثقى / كتاب الاجتهاد والتقليد) نظرية ولاية الفقيه المبتنية على نظرية (النيابة العامة) وقال:· ان ما استدل به على الولاية المطلقة في (عصر الغيبة) غير قابل للاعتماد عليه ، ومن هنا قلنا بعدم ثبوت الولاية له إلا في موردين هما الفتوى والقضاء. وتفصيل الكلام في ذلك: ان ما يمكن الاستدلال به على الولاية المطلقة للفقيه الجامع للشرائط في (عصر الغيبة) أمور: الأول: الروايات ، كالتوقيع المروي عن (كمال الدين) والشيخ (الطوسي) في كتاب (الغيبة) والطبرسي في (الاحتجاج): · واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله نظرا إلى ان المراد برواة حديثنا هو الفقهاء دون من ينقل الحديث فحسب . وقوله (ع) · مجاري الأمور والأحكام بيد العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه وقوله (ص) · الفقهاء أمناء الرسل وقوله (ص)· اللهم ارحم خلفائي - ثلاثا - قيل : يا رسول الله: ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون بعدي يروون حديثي وسنتي وغيرها من الروايات . وقد ذكرنا في الكلام على ولاية الفقيه من كتاب المكاسب: ان الأخبار المستدل بها على الولاية المطلقة قاصرة السند والدلالة , نعم يستفاد من الأخبار المعتبرة: ان للفقيه ولاية في موردين هما: الفتوى والقضاء ، واما ولايته في سائر الموارد فلم يدلنا عليها رواية تامة الدلالة والسند . الثاني: ان الولاية المطلقة للفقهاء في (عصر الغيبة) إنما يستفاد من عموم التنزيل واطلاقه ، حيث لا كلام من أحد في ان الشارع قد جعل الفقيه الجامع للشرائط قاضيا وحاكما... واما كونه متمكنا من نصب القيّم والمتولي وغيرهما: اعني ثبوت الولاية له ، فهو أمر خارج عن مفهوم القضاء كلية... و لا دلالة لصحيحة (أبى خديجة) بوجه على ان له الولاية على نصب القيم والحكم بثبوت الهلال ونحوه... ودعوى: ان الولاية من شؤون القضاء عرفا ، ممنوعة بتاتا ، بل الصحيح: انهما أمران ، ويتعلق الجعل بكل منهما مستقلا. الثالث: ان الأمور الراجعة إلى الولاية مما لا مناص من ان تتحقق في الخارج... ومعه لا مناص من ان ترجع الأمور إلى الفقيه الجامع للشرائط ، لأنه القدر المتيقن ممن يحتمل ان يكون له الولاية في تلك الأمور لعدم احتمال ان يرخص الشارع فيها لغير الفقيه ، كما لا يحتمل ان يهملها ، لأنها لا بد من ان تقع في الخارج ، فمع التمكن من القضية لا يحتمل الرجوع فيها إلى الغير... والمتحصل: ان للفقيه الولاية المطلقة في (عصر الغيبة) لأنه القدر المتيقن. والجواب عن ذلك: ان الأمور المذكورة وان كانت حتمية التحقق في الخارج وهي المعبر عنها بالأمور الحسبية التي لا مناص من تحققها خارجا ، كما ان الفقيه هو القدر المتيقن ، كما مر ، إلا انه لا يستكشف بذلك: ان الفقيه له الولاية المطلقة في (عصر الغيبة) كالولاية الثابتة للنبي والأئمة عليهم السلام ، حتى يتمكن من التصرف في غير مورد الضرورة وعدم مساس الحاجة إلى وقوعها.. فيستنتج بذلك: ان الفقيه هو القدر المتيقن في تلك التصرفات ، واما الولاية فلا ، ولو عبرنا بالولاية فهي ولاية جزئية تثبت في مورد خاص اعني الأمور الحسبية التي لا بد من تحققها في الخارج ، ومعناها : نفوذ تصرفاته فيها بنفسه أو بوكيله. ومن هنا يظهر ان الفقيه ليس له الحكم بثبوت الهلال ولا نصب القيم أو المتولي من دون انعزالهما بموته ، لأن هذا كله من شؤون الولاية المطلقة ، وقد عرفت عدم ثبوتها بدليل ، وإنما الثابت ان له التصرف في الأمور التي لا بد من تحققها في الخارج . 20 ولم يبحث السيد الخوئي البديل عن سقوط نظرية ولاية الفقيه ، وقد سكت عن موضوع الولاية والحكم بصورة عامة ، ويبدو من كلامه انه لا يعتبر الولاية من الأمور الحسبية الضرورية التي لا بد من وقوعها في الخارج ، وإلا لكان قد أعطاها للفقيه ، بالرغم من انه لم يجد في تلك الروايات الخاصة والعامة من القوة سندا ودلالة للقول بولاية الفقيه . وبناء على ذلك فقد فكك السيد الخوئي بين ضرورة تحقيق بعض الأمور الحسبية في الخارج ، وبين الولاية المطلقة للفقيه في عصر الغيبة كالولاية الثابتة للنبي والأئمة (ع) . وقال:· انها لم تثبت بدليل وانها مختصة بالنبي والأئمة . 21 إذن فان الفقيه ليس هو القدر المتيقن دائما في كل الأمور ، وبالتالي فلا يمكن ان نحصر الحق في الحكم به دون غيره من الأمناء العدول أو السياسيين الأذكياء . وإضافة إلى ذلك يمكننا القول ان فهم معنى الولاية المطلقة للفقهاء ، من تلك الروايات الخاصة والعامة يتناقض مع نظرية (الإمامة الإلهية) التي تحصر الحق في الحكم في ( الأئمة المعصومين المعينيين من قبل الله) ، ولذلك لم يفهم أحد من العلماء الشيعة الامامية السابقين الذين رووا تلك الروايات معنى الولاية منها ، وآثروا الالتزام بنظرية الانتظار على استنباط معنى الولاية العامة منها. خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار : ان الفقه بمعنى الاجتهاد ، مفهوم حادث متأخر في الفكر الشيعي الامامي الذي كان يحرم الاجتهاد في القرون الأربعة الأولى ، ويعتبره من ملامح المذاهب السنية ، وهو ما يقول به الاخباريون (الاماميون الأوائل ) حتى اليوم. كما ان إعطاء الفقيه العادل ، وهو بشر غير معصوم ومعرض للخطأ والانحراف ، صلاحيات الرسول الأعظم (ص) المطلقة وولايته العامة على النفوس والأموال ، والتطرف في ذلك إلى حد السماح للفقيه بتجميد القوانين الإسلامية الجزئية (الشريعة) - كما يقول الإمام الخميني والآذري القمي وبعض أنصار ولاية الفقيه في إيران - يعتبر محاولة لإلغاء الفوارق الضرورية بين النبي المعصوم المرتبط بالسماء وبين الفقيه الإنسان العادي المعرض للجهل والهوى والانحراف ، وهذا ما يتناقض تماما مع الفكر الامامي القديم الذي رفض مساواة أولي الأمر (الحكام العاديين) في وجوب الطاعة لهم كوجوب الطاعة لله والرسول ، وذلك خوفا من أمرهم بمعصية والوقوع في التناقض بين طاعتهم وطاعة الله.. ومن هنا ابتدع الفكر الامامي واشترط العصمة كشرط في (الإمام) - مطلق الإمام - ثم قال بوجوب النص ، وانحصار النص في أهل البيت وفي سلالة علي والحسين إلى يوم القيامة . فإذا أعطينا الفقيه الصلاحيات المطلقة والواسعة التي كانت لرسول الله (ص) وأوجبنا على الناس طاعته ، وهو غير معصوم ، فماذا يبقى من الفرق بينه وبين الرسول؟.. ولماذا إذن أوجبنا العصمة والنص في الإمامة وخالفنا بقية المسلمين وشجبنا اختيار الصحابة لأبي بكر مع انه كان افقه من الفقهاء المعاصرين ؟ مادام الفقيه إنسانا غير معصوم فانه معرض كغيره للهوى وحب الرئاسة والحسد والتجاوز والطغيان ، بل انه معرض اكثر من غيره للتحول إلى اخطر دكتاتور يجمع بيديه القوة والمال والدين ، وهو ما يدعونا إلى تحديد وتفكيك وتوزيع صلاحياته اكثر من غيره ، لا ان نجعله كالرسول أو · الأئمة المعصومين ، فانه عندئذ سيتحول إلى ظل الله في الأرض ، ويمارس هيمنة مطلقة على الأمة كما كان يفعل الباباوات في القرون الوسطى . وهذا ما حدث في الجمهورية الإسلامية الإيرانية عندما قال الإمام الخميني في رسالته إلى السيد علي الخامنائي :· ان الحكومة تستطيع ان تلغي من طرف واحد الاتفاقيات الشرعية التي تعقدها مع الشعب إذا رأت انها مخالفة لمصالح البلد أو الإسلام ، وتستطيع ان تقف امام أي أمر عبادي أو غير عبادي إذا كان مضرا بمصالح الإسلام ، ما دام كذلك . ان الحكومة تستطيع ان تمنع وفي ظروف التناقض مع مصالح البلد الإسلامي إذا رأت ذلك ان تمنع من الحج الذي يعتبر من الفرائض المهمة الإلهية ، وان باستطاعة الحاكم ان يعطل المساجد عند الضرورة ، وان يخرب المسجد الذي يصبح كمسجد ضرار ولا يستطيع ان يعالجه بدون التخريب ! وقد يجوز كل ذلك فعلا عند المصلحة والضرورة .. ولكن المشكلة هي من يحدد المصلحة والضرورة؟ إذ ان كل حاكم يرى ان المصلحة تقف إلى جانبه وان الصواب هو ما يراه ، فإذا أعطيناه القدرة على تخريب المساجد فانه قد يخرب ويهدم المساجد المعارضة له ويعتبرها كمسجد ضرار ، وتبلغ المشكلة قمة الخطورة عندما نعطي للحاكم القدرة على إلغاء أية اتفاقية · شرعية يعقدها مع الأمة بحجة انه رأى بعد ذلك انها مخالفة لمصلحة البلد أو الإسلام ، دون ان نعطي الأمة الحق في تحديد تلك المصلحة أو ذلك التناقض مع الإسلام . وبالرغم من ان الإمام الخميني كان قد التزم مع الشعب الإيراني بالدستور الذي أعده مجلس الخبراء في بداية تأسيس الجمهورية الإسلامية ، وحدد فيه صلاحيات الإمام ، إلا انه ألغى الدستور عمليا وتجاوز صلاحياته ليتدخل في أعمال مجلس الشورى ومجلس المحافظة على الدستور ورئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ، وذلك انطلاقا من إيمانه بقدرة الفقيه الحاكم على إلغاء أية اتفاقية شرعية يعقدها مع الشعب ، إذا رأى بعد ذلك انها تتناقض مع مصلحة الأمة أو الإسلام ، وهو ما عبر عنه للسيد الخامنائي عند احتجاجه على بعض تلك التجاوزات . ويعود جذر المشكلة إلى ان الإمام الخميني لا يعتبر شرعية الفقيه في الحكم مستمدة من الأمة ، وإنما هو · منصوب ومجعول ومعين من قبل الإمام المهدي أو الأئمة السابقين ، ولذلك فانه ليس بحاجة إلى اخذ رضا الأمة في أية مسألة ، وله الحق ان يعمل بما يتوصل إليه في اجتهاده ، وعلى الأمة ان تطيعه بلا مناقشة أو تردد ، وهو ما يمنحه صلاحيات مطلقة أخرى ، ويجيز له و لأي فقيه ان يستولي على السلطة بالقوة أو الانقلاب العسكري أو يحتكرها بعد ذلك ويصادر الحريات والحقوق العامة ويلغي الأحزاب ويعطل مجلس الشورى ، أو يصدر قوانين جديدة تتعارض مع الدستور أو الشرع ، كما اصدر الإمام الخميني قانون (المحاكم الخاصة لرجال الدين) المعمول بها حتى الآن ، والمنافية للمساواة الإسلامية والقوانين الوضعية ، والتي تحكم بما تشاء على من تشاء كيفما تشاء . ويستند الإمام الخميني في نظريته هذه في (الجعل والنصب والتعيين) على نظرية (النيابة العامة للفقهاء في عصر الغيبة عن الإمام المهدي) وهي نظرية مستنبطة حديثا في القرون الأخيرة ولم يكن لها وجود في القرون الإسلامية الأولى ، و لا يبقى لها أي أساس إذا لم نستطع إثبات ولادة ووجود الإمام المهدي (محمد بن الحسن العسكري) نفسه . وعلى أي حال فان الإمام الخميني الذي يؤمن بنظرية الجعل والنصب للفقهاء من قبل الإمام المهدي ، يقع في مشكلة عويصة هي مشكلة التزاحم بين الفقهاء والصراع فيما بينهم على ممارسة السلطة والولاية ، ويحاول حلها في كتاب (البيع) بصورة أو بأخرى . ولكنه لا يخرج منها بحل مرضٍ خصوصا وانه لا يرى أي دور للامة في تفضيل واحد من الفقهاء على الآخر ، أو حصر الحق بالولاية لمن تنتخبه الأمة ، كما يرى الشيخ المنتظري في كتاب ( دروس في ولاية الفقيه) . كل هذا يجعلنا نقول : ان الجزء الأول من نظرية ( ولاية الفقيه) السياسية معقول جدا ، ولكن الجزء الثاني (النيابة العامة) الذي يبتني على أحاديث (نقلية) ضعيفة ، يبدو غير منطقي ولا معقول ، خاصة وانه يتسبب في إعطاء الولاية المطلقة العامة للفقهاء ، وتجريد الأمة منها .
المطلب الثالث : إلغاء الدور السياسي للامة وقد كان لتطور نظرية (ولاية الفقيه) على قاعدة نظرية (النيابة العامة عن الإمام المهدي ) المرتكزة على نظرية (الإمامة الإلهية ) أثر كبير على طبيعة النظرية ونموها في جانب واحد هو جانب السلطة ، دون جانب الأمة ، حيث اصبح للفقيه من الصلاحيات ما للإمام (المعصوم) وما للنبي الأعظم (ص) واصبح الفقيه ( منصوبا) و (مجعولا ) و (معينا ) من قبل (الإمام المهدي) و (نائبا ) عنه ، كما كان (الإمام المعصوم) منصوبا ومجعولا من قبل الله تعالى ، وبالتالي فانه قد اصبح في وضع (مقدس) لا يحق للامة ان تعارضه أو تنتقده أو تعصي أوامره أو تخلع طاعته ، أو تنقض حكمه . ويذهب السيد كاظم اليزدي في (العروة الوثقى) ( المسألة 57 من كتاب الاجتهاد والتقليد) ، وجمع كبير من العلماء ، إلى عدم جواز قيام مجتهد بنقض حكم مجتهد آخر جامع للشرائط ، وذلك استنادا إلى مقبولة عمر بن حنظلة التي تعتبر الرد على الفقهاء استخفافا بحكم الله ، وردا على الأئمة من أهل البيت ، وتقول: ·ان الراد عليهم كالراد على الله ، وهو على حد الشرك بالله . 22 ومن هنا فقد اتخذت فتاوى العلماء وآراؤهم الاجتهادية الظنية صبغة دينية مقدسة ، ووجب على عامة الناس غير المجتهدين · تقليد الفقهاء والطاعة لهم سواء في التشريع أو التنفيذ أو القضاء ، وحرمت عليهم مخالفتهم . وبما ان (الأئمة المعصومين ) - حسب نظرية الإمامة الإلهية - معينون من قبل الله تعالى ، وان لا دور للامة في اختيارهم عبر الشورى ، ولا حق لها في مناقشة قراراتهم أو معارضتها ، وان الدور الوحيد المتصور للامة هو الطاعة والتسليم فقط ، فقد ذهب أنصار مدرسة (ولاية الفقيه المنصوب والمجعول والنائب عن ( الإمام المهدي ) إلى ضرورة طاعة الأمة وتسليمها للفقيه ، ولم يجدوا بعد ذلك أي حق للامة في ممارسة الشورى أو النقد أو المعارضة أو القدرة على خلع الفقيه العادل ، أو تحديد صلاحياته أو مدة رئاسته . وقد ذهب الإمام الخميني في رسالته الشهيرة إلى رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد علي الخامنائي عام (1408ه / 1988م) إلى قدرة الفقيه الولي على فسخ الاتفاقيات الشرعية التي يعقدها مع الأمة ، من طرف واحد ، إذا رأى بعد ذلك ان الاتفاقية معارضة لمصلحة الإسلام أو مصلحة البلاد ، وأناط بالحاكم وليسبالأمة تحديد المصلحة العامة. وذهب الشيخ حسين علي المنتظري في :( دراسات في ولاية الفقيه) إلى :· ان الإمام والحاكم الإسلامي قائد ومرجع للشؤون السياسية والدينية معا .. وان المسئول والمكلف في الحكومة الإسلامية هو الإمام والحاكم ، وان السلطات الثلاث بمراتبها أياديه واعضاده ، وان طبع الموضوع يقتضي ان يكون انتخاب أعضاء مجلس الشورى بيده وباختياره لينتخب من يساعده في العمل بتكاليفه ومع انه استثنى من باب الأولوية انتخاب الأمة لأعضاء مجلس الشورى ، لأنه ادعى لاحترام القرارات المتخذة والتسليم في قبالها ، إلا انه أكد قدرة الإمام العادل (الفقيه) على تعيين أعضاء مجلس الشورى بنفسه إذا رأى عدم تهيؤ الأمة لانتخاب الأعضاء ، أو لم يكن لها رشد ووعي سياسي لانتخاب الرجال الصالحين ، أو كانت في معرض التهديدات والتطميعات واشتراء الآراء . 23 ولكن المنتظري عاد فاستثنى من ذلك صورة اشتراط الأمة على الإمام حين انتخابه كون انتخاب فريق الشورى بيد الأمة لا بيده . وهذا بالضبط ما فعله الإمام الخميني حين اقر الدستور وأسس الجمهورية الإسلامية ، ولكنه عاد فتحرر من العمل به بناء على (ولاية الفقيه المطلقة ) . وقد كان للتطور التدريجي الطويل الذي امتد اكثر من ألف عام أثره أيضا على طبيعة نظرية (ولاية الفقيه) من حيث عدم التكامل والشمول في البحث ، واقتصار النظرية على الجانب الرئاسي وإهمال الدور السياسي للامة . وفي الحقيقة .. ان أساس المشكلة في هذه المسألة المهمة يعود إلى الدمج بين نظرية (النيابة العامة) المستنبطة من بعض الأدلة الروائية الضعيفة وبين نظرية (ولاية الفقيه) المعتمدة على العقل وعلى ضرورة تشكيل الحكومة في ( عصر الغيبة ) بعيدا عن شروط العصمة والنص الإلهي والسلالة العلوية الحسينية ، وان الخلط بين هاتين النظريتين ، أو تطوير نظرية (النيابة العامة ) إلى مستوى إقامة الدولة أدى إلى جعل الفقيه بمثابة الإمام المعصوم أو النبي الأعظم واعطائه كامل الصلاحيات المطلقة ، وإلغاء الفوارق بين المعصوم وغير المعصوم ، بالرغم من قابلية الأخير للجهل والخطأ والانحراف ، وهو ما يتناقض مع أساس الفلسفة الامامية القديمة حول اشتراط العصمة في الإمام .
|