العودة إلى صلاة الجمعة

لقد استعرضنا في الفصل الماضي أقوال العلماء الذين التزموا بنظرية :(التقية والانتظار) في عصر الغيبة ، في موضوع صلاة الجمعة ، كالسيد المرتضى وسلار ومن تبعهم كابن إدريس والخط الطويل الذي لا يزال ممتدا ، والذي وقف منها موقفا سلبيا رافضا بسبب غياب الإمام أو نائبه الخاص . ونحاول في هذا الفصل استعراض آراء العلماء الذين قاوموا فكرة التحريم أو عدم إيجاب صلاة الجمعة ، وحاولوا التحرر من نظرية:(التقية والانتظار) والعودة إلى القرآن الكريم الذي يأمر بإقامتها بصورة مطلقة ولا يشترط لذلك أية شروط ، ولا يربطها بالإمام (المعصوم) الغائب .

وكان الحسن بن علي بن أبى عقيل العماني ، المعاصر للكليني ، يفتي في بداية القرن الرابع الهجري ، بوجوب صلاة الجمعة ، وقد قال في ( رسالة ) له : · إذا زالت الشمس صعد الإمام المنبر فإذا علا استقبل الناس بوجهه ، فإذا فرغ المؤذن من اذانه قام خطيبا للناس . ولم يشترط العماني غير تكامل العدد في صلاة الجمعة ، كما لم يذكر حضور الإمام العادل ولا المعصوم ولا نائبه .

وكان الشيعة يقيمون صلاة الجمعة حتى أواسط القرن الخامس الهجري ، وخاصة في مسجد براثا في بغداد ، ولكن التطرف في التنظير لنظرية:(التقية والانتظار) واشتراط حضور الإمام العادل أو اذنه ، وتفسير الإمام العادل بالإمام المعصوم الغائب (المهدي المنتظر) أدى إلى تجميد الشيعة لإقامة صلاة الجمعة في القرن الخامس والسادس ، وولادة الفتاوى التي تحرم إقامتها في (عصر الغيبة) وكان ابن إدريس الحلي اشد الفقهاء سلبية منها حيث أفتى بتحريمها وادعى إجماع الشيعة الامامية على ذلك .

 إلا ان هذه الدعوى لم تثبت ولم تستمر ، حيث قام العلماء بنقضها تدريجيا ، وكان المحقق الحلي أول من حاول الخروج من نظرية (التقية والانتظار) في باب صلاة الجمعة ، حيث قال في :(المختصر النافع): · إذا لم يكن الأمام موجودا وأمكن الاجتماع والخطبتان استحب الجماعة ، ومنعه قوم . 1

ومع انه أشار آلي اعتبار شرط السلطان العادل أو نائبه في : (شرائع الإسلام ) حيث قال: · انها لا تجب إلا بحضور السلطان العادل أو من نصبه ولكنه استظهر في المسألة التاسعة استحباب صلاة الجمعة إذا أمكن الاجتماع في حالة عدم وجود الأمام ولا من نصبه للصلاة ، وعبر عن هذا الرأي ب : · قيل . 2

لقد كسر المحقق الحلي حاجز الإجماع المدعى على التحريم ، وإذا لم يقل بالوجوب فقد قال بالاستحباب ، ولو كان على تردد.

وتبعه يحيى بن سعيد فقال في (الجامع للشرائع ) بالجواز ، ولكن بصورة ضعيفة :· لا بأس باجتماع المؤمنين وقت التقية (عصر الغيبة) ولا ضرر عليهم لصلاة الجمعة بخطبتين ، فان تعذر صلوا الظهر جماعة . 3

 اما العلامة الحلي الذي جاء بعدهما ، فبالرغم من انه مال آلي التحريم والمنع في معظم كتبه الفقهية مستندا على الإجماع المدعى ، إلا انه استقرب الجواز في حالة إمكان الاجتماع و الخطبة وقال في (تحرير الأحكام):· ان ذلك مأذون ومُرغّب فيه . 4

وكذلك فعل ابنه محمد بن الحسن ( 682 - 771) في :(إيضاح الفوائد) حيث قوى الجواز لعموم الآية المقدسة ، وأكد بقاء الجواز إذا رفع الوجوب . 5

لقد كان معتمد دليل تحريم صلاة الجمعة في عصر (الغيبة) هو الإجماع على اشتراط إذن الأمام ، وتفسير (الأمام) بالإمام العادل أي (المعصوم) والاعتقاد بوجود (المعصوم) وهو (الأمام المهدي) وغيبته، وانتظار خروجه والحصول على اذنه كشرط لإقامة صلاة الجمعة.. ولكن (غيبة الأمام ) الطويلة وعدم القدرة على وضع نهاية لها دفع علماء مدرسة الحلة آلي تفكيك الدليل والالتفاف على شرط الإذن ، وذلك بالتخلص من الإجماع الذي يربط بين الصلاة والإمام ، وإجازة الفقهاء للقيام بها.

ويبدو ان علماء مدرسة الحلة قد قاموا بخطواتهم المتقدمة في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحدود وصلاة الجمعة ، انطلاقا من الواقع الذي كان يساعدهم على تنفيذ تلك الأمور ، وتفكيك مهام الإمامة بالرغم من إيمانهم بنظرية الإمامة الإلهية واعتقادهم بوجود الأمام المهدي الغائب.. فقد قالوا بجواز إراقة الدماء والقتل من اجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود وصلاة الجمعة .

ومع بروز نظرية (نيابة الفقيه العامة )في القرن السابع والثامن ، وجد بعض العلماء فيها مخرجا للهروب من نظرية (التقية والانتظار) فقالوا بجواز إقامة الفقهاء للجمعة باعتبارهم نوابا عامين للإمام المهدي ، فقال الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي ( - 786) في :(الدروس الشرعية في فقه الامامية):· تجب صلاة الجمعة بشرط الأمام أو نائبه ، وفي الغيبة يجمع الفقهاء مع الأمن ، وتجزي عن الظهر على الأصح وقال في :( اللمعة الدمشقية) :· لا تنعقد إلا بالإمام أو نائبه ، ولو كان فقيها ، مع إمكان الاجتماع في الغيبة . 6

ولم يصرح الشهيد الأول بمستند الجواز ولا بنظرية (النيابة العامة) وإنما اكتفى بحصر الحق في إقامتها على الفقهاء ، ولكنه لم يشر آلي ذلك الحصر في :(البيان) حيث قال:· في شرائط وجوبها ... الأمام العادل أو نائبه ، وفي الغيبة أو العذر يسقط الوجوب لا الجواز ، ومنع أبو الصلاح وسلار وابن إدريس وهو ظاهر المرتضى ، وهو بعيد . 7

وتقدم جمال الدين مقداد بن عبد الله السيوري ( - 826) خطوة أخرى من الاستحباب آلي القول بالوجوب اعتمادا على نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الأمام المهدي) التي كانت قد بدأت في التبلور في القرن السابع الهجري ، فقال في :(التنقيح الرابع):· إذا لم يكن الأمام موجودا وأمكن الاجتماع والخطبتان استحبت الجمعة ، ومنعه قوم.. ومبنى الخلاف: ان حضور الأمام هل هو شرط في ماهية الجمعة ومشروعيتها؟ أم في وجوبها؟ فابن إدريس على الأول ، وباقي الأصحاب على الثاني ، وهو أولى.. لأن الفقيه المأمون كما ينفذ أحكامه حال الغيبة كذا يجوز الإقتداء به في الجمعة ، وموضع البحث : إنما هو استحباب الاجتماع لا إيقاع الجمعة ، فانه مع الاجتماع يجب الإيقاع ويتحقق البدلية من الظهر . 8

وقد قال بذلك بناء على توسيع مهمات (النيابة العامة للفقهاء) بما يشمل إقامة صلاة الجمعة ، وكذلك قال من بعده احمد بن محمد بن فهد الحلي ( 757 - 841) في :(المهذب البارع في شرح المختصر النافع) :· إذا أمكن في حال الغيبة اجتماع العدد المعتبر والخطبتان استحب الاجتماع ، وإيقاع الجمعة بنية الوجوب ويجزي عن الظهر ... لأن الفقيه المأمون منصوب عن الأمام حال الغيبة ، ولهذا يجب الترافع إليه ويمضي أحكامه ، وعلى الناس مساعدته على إقامة الحدود والقضاء بين الناس . 9

ويلاحظ ان ابن فهد قد بنى نظرية الوجوب على نظرية (النيابة العامة) التي وسعها اكثر ، وادعى بقوة : ان الفقيه منصوب عن الأمام حال الغيبة للقيام بما يشبه مهام الإمامة .

وفي القرن العاشر الذي شهد ولادة الدولة الصفوية الشيعية حاول المحقق الكركي الالتفاف على القول بالتحريم بناء على فقدان شرط الأمام أو إذن نائبه ، فقال في :(جامع المقاصد في شرح القواعد) :· ان الفقيه المأمون الجامع لشرائط الفتوى منصوب من قبل الأمام ولهذا تمضي أحكامه ويجب مساعدته على إقامة الحدود والقضاء بين الناس . لا يقال: الفقيه منصوب للحكم والإفتاء ، والصلاة أمر خارج عنهما ، لأنا نقول: ان هذا في غاية السقوط ، لأن الفقيه منصوب من قبلهم (ع) حاكما كما نطقت به الأخبار .

 ولكن الكركي تهيب من القول بالوجوب الحتمي خشية مخالفة الإجماع ، وقال بالوجوب التخييري وحاول الالتفاف على القائلين بالحرمة بتخريجات جانبية .

ومع ان المحقق الكركي كان يعيش في ظل دولة شيعية أعطاها الشرعية باسم النيابة عن الأمام المهدي الغائب ، إلا انه لم يفت بقوة بوجوب صلاة الجمعة ، مما يشعر بعدم إيمانه بنظرية (النيابة العامة ) بقوة ، وخاصة في باب الصلاة ، وإلا فإذا كان الفقهاء حقا منصوبين من قبل الأمام ومأذونون في إقامة الجمعة لتحتم عليه القول بوجوبها في عصر الغيبة.

وعلى أي حال فقد حاول الشهيد الثاني ( - 965) في :(روض الجنان) ان يتحرر من عقدة (إذن الأمام) في وجوب صلاة الجمعة ، وان يحصر ذلك في زمان حضور الأمام ، وان يسقط ذلك في عصر الغيبة ، من الأساس ، فقال:· ان شرط الأمام أو من نصبه إنما هو حال الحضور والإمكان ، لا مطلقا .. وأين الدليل الشرعي عليه؟ ولو سلم لا يلزم سد باب الجمعة في حال الغيبة وتحريمها ، لأن الفقيه الشرعي منصوب من قبل الأمام عموما لقول الصادق (ع) في مقبولة عمر بن حنظلة :· فاني قد جعلته عليكم حاكما وحكمهم (ع) على الواحد حكم على الجماعة ، ومن ثم تمضي أحكامه ويجب مساعدته على إقامة الحدود والقضاء بين الناس ، وهذه الأشياء اعظم من مباشرة إمامة الصلاة ، فلا يتم القول بتحريمها مطلقا في حال الغيبة ... ويعلم ذلك من إجماع الأصحاب على نفوذ حكم الفقيه الجامع للشرائط في حال الغيبة وجواز إقامته للحدود وغيرها ، ووجوب مساعدته والترافع إليه . 10

وقال:· قد بالغ المحقق الشيخ علي (الكركي) في إنكار القول الثاني من قولي الجواز ، وزعم ان كل من قال بالجواز اشترط فيه حضور الفقيه محتجا عليه بدعوى جماعة من الأصحاب: الإجماع على اشتراط الأمام أو نائبه في شرعية الجمعة .

وفي الدعوى والسند منع ظاهر .. اما الدعوى فقد بينا من صرح بخلافها ، واما الإجماع فانما نقلوها على حالة الحضور لا الغيبة ، فانهم يبتدؤن بحال الحضور ويذكرون فيه الإجماع ثم يذكرون حال الغيبة ، ويذكرون الخلاف ، فكيف يتحقق الإجماع في مورد النزاع ؟ فراجع . وقال :· من خواص الشرط ان يستلزم فقده فقد المشروط إلا ان هذا الشرط - وهو إذن الأمام - ليس له مستند يرجع إليه من كتاب أو سنة كما ورد في باقي الشروط ، وإنما العمدة في إثباته على الإجماع ، ولا ريب ان الإجماع إنما وقع على الاشتراط في حال الحضور لا الغيبة .. فتحرر من ذلك ان لا دليل على الاشتراط في حالة الغيبة يجب المصير إليه . 11

وانتقد الشهيد الثاني أيضا في رسالة خاصة كتبها ، حول ضرورة صلاة الجمعة ، قبل ثلاث سنوات من وفاته : انتقد حالة التقليد الأعمى وتهديم الدين بالشبهات ، وشنّ فيها هجوما عنيفا على الذين يتهاونون في صلاة الجمعة ، واشتكى بحرقة وحسرة من القائلين بتحريمها ، وقد جاء فيها : · .. وبعد .. فهذه جملة تشتمل على بيان حكم صلاة الجمعة في هذا الزمان الذي قد مني فيه بالبلبلة أهل الإيمان وخذلهم ببغيه وحسده الشيطان ، حتى هدموا اعظم قواعد الدين بالشبهة لا بالبرهان ، وها انا محقق لموضع الخلاف ومرشد لمن اخرج رقبته من ربقة التقليد للأسلاف وسلك سبيل الحق بالإنصاف وخاف الله تعالى في امتثال أمره والوقوف معه فانه أولى من يخاف ، مستمدا من الله التوفيق والإلهام للحق فانه به حقيق :

فأقول : اتفق علماء الإسلام في جميع الإعصار وسائر الأمصار والأقطار على وجوب صلاة الجمعة على الأعيان في الجملة ، وإنما اختلفوا في بعض شروطها ، وسيأتي تحقيق الكلام في موضع الخلاف ان شاء الله تعالى ، ومع ذلك فالحث على فعلها والأمر به بضروب التأكيد في الكتاب والسنة لا يوجد مثله في فريضة البتة ، وسنورد عليك جملة منه .

ثم ان الأصحاب اتفقوا على وجوبها عينا مع حضور الأمام أو نائبه الخاص ، وإنما اختلفوا فيه في حال الغيبة وعدم وجود إجماع المأذون له فيه على الخصوص ، فذهب الأكثر حتى كاد يكون إجماعا أو هو إجماع على قاعدتهم المشهورة من ان المخالف إذا كان معلوم النسب لا يقدح فيه ، آلي : وجوبها ، مع اجتماع باقي الشرائط غير إذن الأمام .

وهم بين مطلق للوجوب ، كما ذكرناه ، وبين مصرح بعدم اعتبار شرط الأمام أو من نصبه . وربما ذهب بعضهم آلي اشتراطها حينئذ بحضور الفقيه الذي هو نائب الأمام على العموم ، وإلا لم تصح . وذهب قوم آلي عدم شرعيتها أصلا حال الغيبة مطلقا . والذي نعتمده من هذه الأقوال ونختاره وندين الله تعالى به هو المذهب الأول . 12

وإضافة آلي رفض الشهيد الثاني لدعوى الإجماع على اشتراط إذن الأمام في حالة الغيبة ، فانه رفض اشتراط إذن الفقيه (نائب الأمام ) فقال: · اما القول بوجوب الصلاة المذكورة بشرط حضور الفقيه الجامع لشرائط الفتوى ، وإلا لم تشرع . اعلم .. ان هذا القول لم يصرح به أحد من فقهائنا على وجه اليقين ، وإنما هو ظاهر عبارة العلامة جمال الدين في :(التذكرة)و (النهاية) والشهيد (الأول) في :(الدروس واللمعة ) لا غير ، وفي باقي كتبهما وافقا غيرهما من المجوزين من حيث الإطلاق ... ولكن المحقق المرحوم الشيخ علي (الكركي) اعتنى بهذا القول وترجيحه وادعى إجماع القائلين بشرعيتها عليه ، والأصل في هذا القول ان إذن الأمام معتبر فيها ، فمع حضوره يعتبر حضوره أو نائبه ، ومع غيبته يقوم الفقيه المذكور مقامه لأنه نائبه على العموم وناقش الشهيد الثاني دعوى الإجماع ثم علق على اعتراف الكركي بفقد الشرط الذي أدى به آلي القول بعدم الوجوب ، ومع ذلك قال بالاستحباب ، وقال:· فلو كان الأمام أو من نصبه شرطا مطلقا لما أمكنه الحكم باستحبابها حينئذ مع اعترافه بفقد الشرط ، ومن هنا يظهر ظهورا بيّنا : ان الفقيه ليس بشرط عنده ، وان مثل به ، وإلا لزم القول بالوجوب ان تحقق معه الشرط . 13

واستعرض الشهيد الثاني عبارات الشيخ المفيد في كتاب :( الاشراف في عامة فرائض الإسلام) والشيخ الصدوق في كتابه :(المقنع) وأبى الصلاح الحلبي في كتابه :( الكافي) واستخلص منها : ان القائل باشتراط حضور الفقيه حال الغيبة اما قليل جدا بالعناية التامة ، أو معدوم ، وقال ان الكركي لم يذكر عليه دليلا معتبرا . 14

 وفي الحقيقة لقد قام الشهيد الثاني بخطوة كبيرة نحو الأمام في التحرر من نظرية : (التقية والانتظار) ، وذلك بتحليله أو أيجابه إقامة صلاة الجمعة في عصر الغيبة لغير الفقيه ، ولكن ذلك كان التفافا منه على شرط ( الأمام ) حيث أسقطه بالمرة في عصر الغيبة .

وربما كان الإجماع منعقدا على اعتبار اشتراط الإذن من الأمام ، أو الأمام العادل مطلقا وعدم تقييدها بالإمام المعصوم ، ولكن الشهيد الثاني لم يلتفت آلي هذه النقطة لأنه كان يعيش في ظل التفسير الخاص للإمام العادل المطلوب توفره في صلاة الجمعة ، والذي ابتدأ منذ عهد السيد المرتضى ، حيث تم تحريم صلاة الجمعة أو إلغاء وجوبها في عصر الغيبة ، لافتقار الإذن من (الأمام المعصوم) أو نائبه الخاص .

وكاد المقدس احمد الاردبيلي ( - 993) ان يخطو خطوة أخرى آلي الأمام في إيجاب صلاة الجمعة ، وان يفتي بالوجوب العيني لولا الإجماع المدعى على عدم وجوبها في عصر الغيبة ، فتردد وقال بالجمع بين الجمعة والظهر احتياطا . وقال في : (مجمع الفائدة والبرهان ) :· لا دليل على الاشتراط ولا على عدم الوجوب العيني على تقديره إلا ما نقل من الإجماع ، والذي يظهر بالتأمل في الآية والأخبار هو عدم الاشتراط بوجه ، والوجوب العيني ... ولو جمع بينهما ( الجمعة والظهر) للاحتياط لأمكن كونه أحوط . 15

ومع انتشار القول بوجوب صلاة الجمعة في القرن العاشر الهجري ، خاصة بعد قيام الدولة الصفوية التي استمرت آلي القرن الحادي عشر ، فان القول الآخر القاضي بالتحريم أو عدم الوجوب لم ينتفِ تماما ، واحتدمت المعركة بين أصحاب نظرية :(التقية والانتظار) وأصحاب نظرية :(النيابة العامة) ، وجاء بعض العلماء كالفاضل الهندي محمد بن الحسن ( - 1062) صاحب :(كشف اللثام) ليرفض صلاة الجمعة حتى بشرط الفقيه ، وقد استعرضنا رأيه في الفصل الماضي . ولكن يمكن القول ان جوا عاما مؤيدا لإقامة صلاة الجمعة قد حلّ في أوساط العلماء ، وشكل تيارا قويا امتد حوالي ثلاثة قرون . ومع ان القول بالوجوب العيني لم يترسخ بصورة عميقة لاعتقاد عامة الفقهاء بوجود الأمام المهدي الغائب واعتبار الصلاة جزء من أعماله الخاصة ، وقد صرح السيد محمد جواد الحسيني العاملي ( - 1226) في :( مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة)

بأن · الظاهر ... ان الوجوب العيني إنما يسقط في غيبتهم لعدم حضور الأمام (ع) الذي هو شرط فيها إجماعا . 16

وقد اعتبر السيد مهدي بحر العلوم موضوع صلاة الجمعة في عصر الغيبة · أبهم معتاص على الافهام ، وان أوسط الأقوال فيها الأوسط (بين الوجوب والتحريم) وان الاجتهاد في الأمام أحوط ، ولا يقيم الفرض غير المجتهد إلا إذا كان إليه يستند . 17

 وبالرغم من تطور القول بنظرية :(النيابة العامة) و (ولاية الفقيه) في القرون المتأخرة ، إلا ان بعض الفقهاء ظل يتحفظ في خصوص صلاة الجمعة ، فتراجع عن القول بالوجوب واكتفى بالقول بالجواز ، كالسيد محمد الشيرازي الذي قال بالتخيير بين الجمعة والظهر مع أفضلية الأخيرة ، وعدم وجود وجه للاحتياط بين الاثنين . 18

 وكذلك السيد الكلبايكاني الذي أفتى بالجواز من باب الاحتياط ورجاء لوجوبها الواقعي ، ولكنه قال بعدم الاجتزاء بصلاة الجمعة عن الظهر · لأن وجوبها زمان الغيبة غير معلوم وان إذن لها الفقيه . (رسالة في أحكام صلاة الجمعة )

ولا بد من الإشارة أخيرا آلي ان الشيعة الامامية الذين كانوا على مدى التاريخ يؤدون صلاة الجمعة ، وان لم يكن بصورة عامة ، قد بدءوا يقيمون الصلاة في إيران وبعض الدول الأخرى بشكل واسع منذ إقامة الجمهورية الإسلامية في إيران . وإذا كان الالتزام بها غير شامل لكل المتدينين فذلك لاختلاف العلماء المعاصرين حول وجوبها أو تعين وجوبها ، ومنهم من يحتاط بالجمع بينها وبين الظهر ، وذلك بسبب الاعتقاد بافتقاد الشرط الأساس وهو :(حضور الأمام المعصوم) أو إذن نائبه الخاص في الصلاة ، وعدم الإيمان الشامل بنظرية : (ولاية الفقيه) بصورة تغطي مختلف أبواب الدين والحياة آلي درجة توازي الإمامة بكل معنى الكلمة .

 وبالرغم من كل تلك الخطوات الإيجابية التي قطعها أصحاب نظرية (النيابة العامة وولاية الفقيه) نحو إقامة صلاة الجمعة ، إلا انه في الحقيقة لا يمكن الخروج التام من أزمة اشتراط (حضور الأمام أو نائبه) إلا بالعودة آلي القرآن الكريم الذي لا يذكر أي شرط في هذا الموضوع ، أو الالتزام بإجماع المسلمين الذي يشترط إذن الأمام العام ، أو إضافة شرط العدالة إليه ، ولكن بالمعنى العام من العدالة وليس العصمة بالخصوص ، والاعتقاد بناء على ذلك بأن المؤمن العادل أو الفقيه الحاكم امام عادل ، وبذلك يتم التخلص من أزمة التفسير الخاطئ للشرط الثابت بالإجماع المدعى وليس بالنص ، والذي أدى آلي إلغاء بعض الفقهاء لصلاة الجمعة في عصر (الغيبة) والتخلي بصورة كاملة عن نظرية :(التقية والانتظار) . وهذا ما فعله الشهيد السيد محمد باقر الصدر الذي فسر (الأمام العادل) بالشخص أو الأشخاص الذين يمارسون السلطة فعلا بصورة مشروعة ويقيمون العدل بين الرعية ، حيث أوجب في :(الفتاوى الواضحة) إقامة الجمعة في ظله بصورة حتمية .