المبحث الثالث :

الموقف الإيجابي من قانون

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إذا كانت نظرية :(التقية والانتظار) تحرم الثورة والدولة في عصر الغيبة ، وتحدد - تبعا لذلك - قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمراتب الدنيا القلبية والإعلامية ، وترفض استخدام القوة المؤدية إلى الجرح أو القتل في غياب دولة (الإمام المهدي) الشرعية الوحيدة الممكنة .. فان الالتزام بهذه النظرية في عصر الغيبة ولمدة طويلة كان يبدو صعبا جدا ، ومن هنا فقد تخلى الشيعة عمليا وتدريجيا عن نظرية :(التقية والانتظار( واخذوا يبنون دولهم المستقلة هنا وهناك . وكان لا بد ان يطور الفقهاء قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويخففوا من الشروط التعجيزية التي تحول دون تنفيذه . وربما كان أول من حاول الخروج من كهف الغيبة في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو السيد المرتضى الذي نقل عنه الطوسي في :(الاقتصاد) قوله بجواز ممارسة القتل والجرح في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عصر الغيبة بلا حاجة إلى استئذان الإمام .

وقد تبعه بعد ذلك حمزة بن عبد العزيز الديلمي (سلار) في :(المراسم) حيث أشار إلى تفويض الأئمة إلى الفقهاء إقامة الحدود والأحكام بما فيها القتل والجرح ، وأمرهم لعامة الشيعة بمعونة الفقهاء . 1

ومع انه لم يذكر أين فوض الأئمة ذلك إلى الفقهاء؟ ومتى أمروا الشيعة بمعاونتهم ؟ وفي أي مجال؟ .. إلا ان حديثه هذا يعتبر محاولة أولى لتفعيل الجوانب الحيوية المعطلة من قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقوى محمد بن إدريس في :(السرائر) رأي السيد المرتضى ، وأفتى بجواز القتل والجرح في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، من دون الحاجة إلى إذن الإمام . 2

ومن الجدير بالذكر ان السيد المرتضى وابن إدريس لم يكونا يؤمنان بشرعية إقامة الدولة في عصر الغيبة ، ولكنهما - ومن قال قولهما - حاولا إسقاط شرط إذن الإمام في ممارسة القتل والجرح في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهما من أعمال الدولة عادة ، أو من أعمال الثورات التي تغير الأنظمة وتأتي بدول جديدة .

 ومع ان علماء مدرسة الحلة لم يكونوا يفكرون بالثورة المسلحة لإقامة نظام إسلامي ، لأنهم كانوا يعتقدون ان ذلك من مهام الإمام المهدي الغائب (محمد بن الحسن العسكري) ولكنهم ارتأوا المحافظة على الميزان الاجتماعي الإسلامي ، ونظروا إلى قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حالته الفردية - لا السياسية - نظرة جديدة ، وتناولوه بصورة حيوية . ابتدأ المحقق الحلي الاقتراب من القانون ، وتدرج من الموقف السلبي القاطع الذي اتخذه في (المختصر النافع) (3) حيث رفض السماح باستخدام العنف المتضمن للجرح والقتل إلا بإذن الإمام أو من نصبه الإمام ، إلى التردد الإيجابي في (شرائع الإسلام) حيث قال:· ولو افتقر إلى الجراح أو القتل ، هل يجب؟ قيل:نعم ، وقيل:لا ، إلا بإذن الإمام ، وهو الأظهر ومع انه استظهر اشتراط إذن الإمام ، إلا ان الأجيال التالية من مدرسة الحلة تقدمت خطوات أخرى إلى الإمام ، وانطلق العلامة الحلي ويحيى بن سعيد من تردد المحقق ليختارا الجواز ، والتحرر من شرط إذن الإمام المستحيل في ظل (الغيبة ) .. فاختار يحيى بن سعيد في )الجامع للشرائع ) عدم الحاجة إلى الإذن واعتبر ذلك اصح القولين .(4 ) 4 (الجامع للشرائع ص 243) وقال العلامة في (تحرير الأحكام ) :· ولو لم ينزجر وافتقر إلى اليد وشبهه جاز ، ولو افتقر إلى الجراح . وهو الأقوى عندي . 5

ورغم تراجع الشهيد الأول في :(الدروس) واستقراب تفويض الأمر إلى الإمام ، وتردد المحقق الكركي في :(جامع المقاصد) خشية من فوران الفتنة واشتراطه إذن الإمام ، وتردد الشهيد الثاني في (مسالك الافهام ) وربطه للجواز بتسويغ إقامة الحدود للفقيه الجامع لشرائط الفتوى حال الغيبة ، إلا ان المقدس الاردبيلي قوى في : (مجمع الفائدة والبرهان) الرأي القائل بعدم اشتراط الإذن من الإمام ، واستدل على ذلك بلزوم كثرة الفساد في زمان الغيبة عند تجميد العمل به ، لا من الجرح والقتل . 6

وكان رأي المقدس الاردبيلي هذا خطوة متقدمة جدا على طريق الخروج من كهف الغيبة ، حيث لم يشترط إذن الإمام ولا الفقيه في ممارسة القتل والجرح من اجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وان كان لم يصل به القول إلى حد الإقرار بشرعية الدولة في عصر الغيبة .

ولم يبين السيد محمد باقر بن محمد مؤمن السبزواري ( - 1090) رأيه بصراحة في :(كفاية الأحكام) إلا انه تمسك بأصل الجواز والقواعد التي تذم تعطيل الحدود ، والسعي في ان لا يعصى الله في الأرض ، والروايات التي تدعو إلى إنكار المنكر بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين هي السفلي . 7

وقد أوكل الشيخ محمد حسن الفيض الكاشاني في :(مفاتيح الشريعة) البت في هذه المسألة إلى الفقيه الجامع للشرائط لأنه أدرى بما يقتضيه الحال . 8

ومع تبلور نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي ) أو (ولاية الفقيه) فقد قوي القول بجواز القتل والجرح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بإذن الفقيه الولي أو · نائب الإمام .

هذا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، اما في الجهاد الابتدائي ، فانه بالرغم من تحرر الفقهاء الشيعة الامامية من نظرية :(التقية والانتظار) خلال القرون الأخيرة وفي كثير من المجالات ، فان الموقف العام ظل سلبيا ولم يحدث تطور يذكر إلا في السنوات الأخيرة . ولم أجد من يتحدث عن جواز الجهاد في عصر الغيبة سوى السيد محمد الحسيني الشيرازي الذي يقول بنظرية (ولاية الفقيه) وذلك في كتاب (الفقه / الجهاد) حيث يقول :· الظاهر ان الجهاد في حال الغيبة جائز مع الفقيه الجامع للشرائط ، وذلك لاطلاقات أدلة الجهاد ، ولا مانع ولا مخصص لها ، وذهب إلى ذلك بعض الفقهاء خلافا لما يحكى عن المشهور من عدم الجواز في حال الغيبة بالنسبة إلى الجهاد الابتدائي لا الدفاعي فان جوازه موضع وفاق . 9

ويرد الشيرازي الروايات التي يعتمد عليها الفقهاء القائلون بحرمة الجهاد في عصر الغيبة ، فيتهمها بالضعف في السند والدلالة . 10

كما لاحظت ان الإمام الخميني يتوقف في (كتاب البيع) ليتأمل القول بالإطلاق في منع الجهاد في عصر الغيبة . 11