التحقيق في رسائل (المهدي)

 اتخذ المؤيدون لنظرية وجود (الامام المهدي) الرسائل التي قالوا انه قد بعث بها الى عدد من الناس دليلا إضافياً على صحة نظريتهم بوجود (الامام محمد بن الحسن العسكري) ولكننا بعد دراسة هذه الروايات والتحقيق في سندها نكتشف ضعفها بدرجة كبيرة ، وانها ليست الا اشاعات روجها أدعياء الوكالة .

فان رواية الطوسي الأولى يرويها عن جماعة لم يسمهم عن أبى محمد التلعكبري عن احمد بن علي الرازي ، الذي يقول عنه علماء الرجال الشيعة : انه ضعيف غالي ، بالإضافة الى ان احمد بن اسحاق القمي لم يذكر كيفية مراسلة (صاحب الزمان) ومن هو الذي اوصل اليه الجواب ، مما يحتمل اختلاقه للرسالة بنفسه .

اما الرسالة الثانية فان الطوسي ينقلها ايضا عن احمد بن علي الرازي (الضعيف الغالي) عن عدد من المجهولين ، بالاضافة الى انها تتضمن أمرا غير معقول هو الاحتكام الى شخص غير معروف متنازع في وجوده ليثبت هو وجوده ! مع احتمال صدور الجواب من احد ادعياء النيابة . علما بأن الشك بوجود (ابن الحسن) يقتضي الشك بصدق النواب ، فكيف يمكن العودة الى واحد منهم والوثوق به قبل التأكد من صدقه ، والتصديق بما يقدمه من اوراق يدعي انها صادرة عن المهدي؟

 اما رواية الصدوق المعروفة ب L التوقيع) فهي ضعيفة لمجهولية وضعف إسحاق بن يعقوب ، وعدم ذكر السابقين كالكليني لها ، ولتضمن الرواية عدة أمور غير صحيحة هي : أولا: مدح الناقل للرسالة وهو (النائب الثاني محمد بن عثمان العمري) لنفسه وابيه ، وهو ما يقوي احتمال ان تكون الرسالة من وضعه . ثانيا: اباحة الخمس في عصر الغيبة إلى وقت الظهور ، وهذا ما يخالف استمرارية أحكام الإسلام في كل حين ، وقد عدل علماء الشيعة موخرا عن الاخذ بهذه الإباحة لمنافاتها مع مباديء الإسلام. ثالثا: المطالبة بالكف عن السؤال عن علة الغيبة ، مع ان فلسفة الغيبة من الأمور الدينية الضرورية التي لا بد من معرفتها على طريق الايمان بالمهدي . ومن هنا تصبح تلك الرواية - الرسالة ضعيفة جدا وغير قابلة للاعتماد.

وكذلك حال رواية الصدوق الثانية عن العمري ، التي ينقلها عن ابي عبد الله جعفر الذي يقول انه وجدها مثبتة عن سعد بن عبد الله ، اي انه لم يروها مباشرة ، وانما وجدها في كتاب ، ومن المعروف في علم الرواية : ان الوجدان في الكتب من اضعف انواع الرواية ، وإضافة الى ذلك لا يذكر سعد كيف انه حصل على الرسالة؟ ومن اخبره بها؟ ، وهو لا يرويها عن العمريين اللذين لا يصرحان بها ، وانما يذكرها عن شخص لم يحدد اسمه ، ولكن يفترض انه (المهدي) . واذا صحت الرواية عن العمريين فانها قد تكون من تأليفهما دعما لنظريتهما القائلة بوجود المهدي ، وتعزيز ادعائهما بالنيابة عنه ، ومن هنا فلا حجة فيها.

اما رسائل الشيخ المفيد ، التي يذكرها الطبرسي وابن شهر آشوب في كتبهما ، فان المفيد نفسه لم يذكرها في احد من كتبه ، ولو صحت نسبتها اليه فهي لا تحمل في طياتها اي دليل ، وذلك لأن المفيد يقول: انه استلمها من رجل اعرابي لا يعرفه ، والرسالة بخط رجل غير المهدي يقول انها من املاء المهدي عليه ، وقد رفض المفيد ان يعرض الرسائل ، التي اوصلها الاعرابي اليه ، على احد من اصحابه، وقال ان ذلك بأمر المهدي ، ولم يبرز الى الناس سوى رسائل بخط يده قال ان المهدي قد طلب منه ان يفعل ذلك .

 فاذا صح ذلك.. فنحن في الحقيقة امام رسائل بخط الشيخ المفيد نفسه يقول انها نسخ عن رسائل سلمها اليه اعرابي مجهول لا يعرفه المفيد ، يقول ذلك الاعرابي انها من رجل لا يعرفه كتب تلك الرسائل ، يقول ذلك الرجل المجهول: ان الامام المهدي قد املاها عليه .

اي اننا امام خبر آحاد يرويه المفيد عن رجل مجهول عن رجل مجهول عن المهدي .

وهذا ما يثير عددا من الاحتمالات: منها: الجعل من قبل المفيد ، خاصة وانها تحمل تزكية ومدحا فائقا له ، ويقدم المهدي اسم المفيد في بعضها على اسمه . ومنها : الجعل من قبل ذلك الاعرابي ، او الجعل من قبل ذلك الرجل المجهول ، او الجعل من قبل رجل ثالث كذب على الكاتب وقال انه المهدي. وهكذا رواية في منطق علم الدراية غير قابلة للالتفات او التوقف عندها قليلا او كثيرا .

 

مشكلة التعرف على الخط

واود ان الفت نظر القاريء الكريم الى نقطة مهمة هنا ، وهي موضوع خط الامام المهدي في رسائله تلك ، وتواقيعه الكثيرة المنسوبة اليه ، فان الانسان المؤمن بالمهدي ، وخاصة اليوم ، يتوق الى رؤية خط الامام ، اذ لم يحظَ برؤية شخصه ، ويتمنى ان يكون التاريخ قد احتفظ ولو بنسخة واحدة من تلك الرسائل والتواقيع ، ويرجو ان يكون الشيعة في تلك الايام قد ادركوا هذه الأهمية وحافظوا على رسائل الامام في خزاناتهم التاريخية ، فانها تشكل أهم مادة لدراسة تلك المرحلة والتأكد من حقيقة (الامام المهدي) والظروف التي ادت به الى الغيبة .

 ومن هذا المنطلق حاولت ان استقصي آثار خطوط (الامام المهدي) في رسائله ، وابحث عن اية نسخة من رسائله ، واتابع (تواقيعه) . وكنت احسب في البداية ، او افترض ان يكون الشيعة في تلك الايام او بالأخص (النواب الاربعة ) او الفقهاء او المحدثون قد اهتموا بالمحافظة عليها والعناية بها ، فلم اجد لذلك أثرا ، ووجدت غموضاً مريباً يلف هذا الموضوع ، ووجدت في (التوقيع ) الذي يرويه الطبرسي في (الاحتجاج) عن اسحق بن يعقوب عن العمري ، نصا يقول :· .. ولا تظهر على خطنا الذي سطرناه احدا وهو يكشف عن خلاف ما كان متوقعا من الاهتمام بالتعرف على الخط والمحافظة على رسائل المهدي ، وعدم وجود خط معين ومعروف للمهدي يمكن الرجوع اليه ومقارنة بقية الرسائل به للتأكد من صحتها . كما وجدت الشيخ الطوسي يتحدث عن (خط المهدي) بصورة مريبة ، حيث يقول: ( قال ابو نصر هبة الله: · وجدت بخط ابي غالب الرازي: ان العمري كان يتولى هذا الأمر (النيابة) نحوا من خمسين سنة ، يحمل الناس اليه اموالهم ويخرج اليهم التوقيعات بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن (ع) بالمهمات في أمر الدين والدنيا ، وفيما يسألونه من المسائل بالأجوبة العجيبة ) . 28

ولم يقل لماذا كان العمري يفعل ذلك ؟ ولماذا لم يكن يخرج التواقيع بخط المهدي؟ ومن المعروف ان التعرف على خط الامام الحسن بذاته كان مشكلة في حياته ، اذ كان يلجأ بعض ادعياء النيابة عنه ، من الغلاة ، الى تزوير خطه ، وقد وقع الشيعة بسبب ذلك في مشكلة التعرف على خط الامام العسكري والتأكد من خطه ، في حياته ، فكيف يمكن التعرف على خط (الامام المهدي) الذي لم يره أحد ولم يُرَ خطه ولم يُتأكد من وجوده؟ ولا يملك عامة الناس وسيلة للتحقق منه ؟

 ومع وجود هذه الاشكالية الكبيرة فان العمري لم يكن يسلم الخطوط والتواقيع الى أحد ، بل كان يبرزها لهم فقط او يستنسخها بخطه. وقد لجا الشيخ المفيد - حسب الرواية المزعومة - الى هذه الطريقة ايضا ، فقدم نسخا بخط يده قال انها منقولة عن رسائل من المهدي لم تكن مكتوبة اساسا بخطه ، وانما كانت املاء منه على كاتب مجهول .

ولو كنا قد حصلنا على نسخ من خط (الامام المهدي) لكان باستطاعتنا المقارنة بينها والتأكد من حقيقة نسبتها اليه او التمييز بين الصحيح والمزور منها ، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث.

و لذلك يمكننا اتخاذ (سرية الخط او الحرص على إخفائه ) دليلا اضافيا على عدم وجود (محمد بن الحسن العسكري) الذي ان كان موجودا فعلاً وكان مختفيا وغائبا لأسباب أمنية ، لكان لجأ بصورة قاطعة الى اثبات شخصيته عند الشيعة ، وقيادتهم عبر الرسائل الموقعة التي لا تقبل الشك والنقاش ، ويمكن معرفتها وتمييزها بواسطة التعرف على الخط ، والمقارنة بينها ، كواحدة من الوسائل العديدة التي يثبت بها نفسه .