الفصل الثاني

من الشورىالى .. الحكم الوراثي

النظرية الكيسانية

 

يسجل المؤرخون الشيعة الامامية الأوائل(النوبختي والاشعري القمي والكشي) اول تطور ظهر في صفوف الشيعة في عهد الامام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب على يدي المدعو عبدالله بن سبأ الذي يقولون ­ انه كان يهوديا وأسلم ، والذي يقول النوبختي عنه ­ انه اول من شهر القول بفرض امامة علي ، وكان يقول في يهوديته بيوشع بن نون وصيا لموسى فقال كذلك في اسلامه في علي بعد رسول الله، وأظهر البراءة من اعدائه وكاشف مخالفيه واظهر الطعن على ابي بكر وعمر وعثمان والصحابة.‍

 

وسواء كان عبدالله بن سبأ شخصية حقيقية أم اسطورية فان المؤرخين الشيعة يسجلون بوادر ظهور اول تطور في الفكر السياسي الشيعي اعتمادا على موضوع (الوصية) الروحية والشخصية ، الثابتة من الرسول الاكرم الى الامام علي ، واضفاء المعنى السياسي عليها ، وذلك قياسا على موضوع (الوصية) من النبي موسىالى يوشع بن نون وتوارث الكهانة في ابناء يوشع

 

ومع ان هذا القول كان ضعيفا ومحصورا في جماعة قليلة من الشيعة في عهد الامام علي ، وان الامام نفسه قد رفضه بشدة وزجر القائلين به ، الا ان ذلك التيار وجد في تولية معاوية لابنه يزيد من بعده ارضا خصبة للنمو والانتشار ، ولكن المشكلة الرئيسية التي واجهته هو عدم تبني الامام الحسن والحسين له واعتزال الامام علي بن الحسين عن السياسة ، مما دفع القائلين به الى الالتفاف حول محمد بن الحنفية باعتباره وصي اميرالمؤمنين ايضا ، خاصة بعد تصديه لقيادة الشيعة في اعقاب مقتل الامام الحسين ، وقد اندس السبئية في الحركة الكيسانية التي انطلقت للثأر من مقتل الامام الحسين بقيادة المختار بن عبيدة الثقفي .

 

وقد ادعى المختار الذي كان يقود الشيعة في الكوفة: ان محمد بن الحنفية قد أمره بالثأر وقتل قتلة الحسين ، وانه الامام بعد أبيه ولم يكن المختار يكفر من تقدم عليا من الخلفاء كأبي بكر وعمر وعثمان ، ولكنه كان يكف¹ر اهل صفين وأهل الجمل .

ويذكر الاشعري القمي : ان صاحب شرطة المختار (كيسان) الذي حمله على الطلب بدم الحسين ودل¹ على قتلته ، وصاحب سره ومؤامراته والغالب على امره ، كان أشد¹ منه افراطا في القول والفعل والقتل ، وانه كان يقول : ان المختار وصي محمد بن الحنفية وعامله ، ويكفر من تقدم عليا كما يكفر اهل صفين واهل الجمل

 

وبالرغم من سقوط دولة المختار بعد فترة قصيرة ، الا ان الحركة الكيسانية التي التفت حول قائدها الروحي محمد بن الحنفية ، اخذت تقول­·ان الامامة في ابن الحنفية وذريته ولما حضرت الوفاة محمد بن الحنفية ولى ابنه عبدالله ابا هاشم من بعده وامره بطلب الخلافة ان وجد الى ذلك سبيلا ، وأعلم الشيعة بتوليته اياهم ، فأقام عبدالله بن محمد بن علي وهو امير الشيعة.

 

وقد اصبح ابو هاشم قائد الشيعة بصورة عامة في غياب اي منافس له في نهاية القرن الاول الهجري ، وقد تشرذمت الحركة الكيسانية من بعده الى عدة فرق يدعي كل منها انه اوصى اليه ، فقد ادعى العباسيون ­ ان ابا هاشم اوصى الى محمد بن علي بن عبدالله ابن عباس ، وقال له : اليك الامر والطلب للخلافة بعدي فولاه واشهد له من الشيعة رجالا ..ثم مات ، فأقام محمد بن علي ودعوة الشيعة له حتى مات فلما حضرته الوفاة ول¹ى ابنه ابراهيم الامر، فاقام وهو امير الشيعة ، وصاحب الدعوة بعد ابيه..

 

وادعى الجناحيون­ انه اوصى الى عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر بن ابي طالب الذي ظهر في الكوفة سنة ‍ وأقام دولة امتدت الى فارس ، في اواخر ايام الدولة الاموية وادعى الحسنيون انه اوصى الى زعيمهم ˜محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن ، ذي النفس الزكية

وعلى اي حال فقد تطور القول بالوصية من وصية النبي الأكرم العادية والشخصية الى الامام علي ، الى القول بالوصية السياسية منه الى ابنه محمد بن الحنفية ، ومن بعده الى ابنه ابي هاشم عبدالله ، وهو ما ادى الى اختلاف الفصائل الشيعية المتعددة فيما بينها وادعاء كل منها الوصية اليه وحصر الشرعية فيه.

 

نظرية الامام الباقر السياسية

وبينما كانت الحركات الشيعية المختلفة تتأهب للانقضاض على النظام الاموي ، والثأر لمقتل الحسين ، وتتصارع فيما بينها ، دخل المعترك السياسي والفكري الامام محمد بن علي الباقر بعد وفاة ابيه السجاد في سنة للهجرة ، وقد خاض معركة مريرة لانتزاع قيادة الشيعة من ابن عمه ابي هاشم وأتباعه ، وتثبيتها للفرع الفاطمي والبيت الحسيني ، واعتبر ادعاء الامامة دون حق افتراء على الله ، حتى وان كان المدعي من ولد علي بن ابي طالب.

وقد اعتمد الامام الباقر في الدعوة الى نفسه ، باعتباره اولى من الجميع ، للثأر من مقتل جده الامام الحسين ، وبالتالي قيادة الشيعة لتحقيق هذا الهدف ، فكان يقول­·ومن قُتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا¨ وكان يقول ان آية­· النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم وازواجه امهاتهم ، واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله¨ قد نزلت في الامرة ، وان هذه الآية جرت في ولد الحسين من بعده ، فنحن اولى بالأمر ، وبرسول الله من المؤمنين والمهاجر ين ، وليس لولد جعفر فيها نصيب ولا لولد العباس ولا لأي بطن من بطون بني عبدالمطلب ، ولا حتى لولد الحسن بن علي « ما لمحمدي فيها نصيب غيرنا¨

 

وفي هذا المجال يقول ايضا­ · رحم الله عمي الحسن ..لقد غمد الحسن اربعين الف سيف حين اصيب اميرالمؤمنين ، وأسلمها الى معاوية ، ومحمد بن علي سبعين الف سيف قاتلة لو خطر عليهم خطر ما خرجوا منها حتى يموتوا جميعا ، وخرج الحسين صلوات الله عليه فعرض نفسه على الله في سبعين رجلا ..من أحق بدمه منا ؟..نحن والله أصحاب الأمر وفينا القائم ومنا السفاح والمنصور ،

وقد قال الله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا .نحن اولياء الحسين بن علي وعلى دينه

 

ولكن عبدالله بن الحسن بن الحسن كان ينكر حصر الامامة في البيت الحسيني ، ويقول مستنكرا: وكيف صارت الامامة في ولد الحسين دون الحسن وهما سيدا شباب اهل الجنة ؟ وهما في الفضل سواء ، الا ان للحسن على الحسين فضلا بالكبر ، وكان الواجب ان تكون الامامة اذن في الافضل ‍‌

 

وفي محاولة من الامام الباقر لتجاوز هذا الخلاف وحسمه وتعزيز شرعية مطالبته بقيادة الشيعة ، كان يعتمد اضافة الى موضوع (ولاية الدم) على موضوع ­· امتلاكه لسلاح رسول الله¨ ووراثته من اجداده ، حيث كان يقول: · ان السلاح فينا كمثل التابوت في بني اسرائيل كان حيثما دار فثم الملك ، وحيث مادار السلاح فثم العلم¨ . ‍‍

وكان يتساءل في معرض تفنيد الكيسانية: · ألا يقولون عند من كان سلاح رسول الله ؟..وما كان في سيفه من علامة كانت في جانبيه ان كانوا يعلمون؟¨

 

ويقول محمد بن الحسن الصفار œ وهو من اركان الامامية في القرن الثالث الهجري œ ­ ان علي بن الحسين اختص ابنه محمد الباقر ، عند وفاته ، بسفط كان فيه سلاح رسول الله ، وان اخوته نازعوه عليه ، فقال لهم­· والله ما لكم فيه شيء ، ولو كان لكم فيه شيء ما دفعه الي

ويقول الصفار­ ان الامام الباقر كان يشير الى احقية الامام علي بالخلافة استنادا الى وراثته لسلاح رسول الله ، وانه قد احتج بذلك على اهل الشورى

 

و كان الامام الباقر يعتمد ايضا في طرح امامته على وراثة الكتب من ابيه . ويقول الكليني ­ انه قد احتج على اخيه زيد بن علي الذي كان يعد للثورة والخروج ويحاول التصدي لقيادة الشيعة بموضوع العلم وسأله فيما اذا كان يعرف الحلال والحرام ، ونهاه عن التصدي للقيادة من دون الاطلاع الكافي على مسائل الحلال والحرام .

 

وقد دخل عليه ذات مرة اخوه زيد ، ومعه كتب من اهل الكوفة يدعونه فيها الى انفسهم ويخبرونه باجتماعهم ويأمرونه بالخروج ، فقال له ابو جعفر : ـ هذه الكتب ابتداء منهم او جواب ما كتبت بهم اليه ودعوتهم اليه؟

..فقال: ـ بل ابتداء من القوم لمعرفتهم بحقنا وبقرابتنا من رسول الله ولما يجدون في كتاب الله عزوجل من وجوب مودتنا وفرض طاعتنا ، ولما نحن فيه من الضيق والضنك والبلاء ، فقال له ابو جعفر : ان الطاعة مفروضة من الله عزوجل ، وسنة امضاها في الاولين وكذلك

يجريها في الآخرين ، والطاعة لواحد منا والمودة للجميع ، وامر الله يجري لاوليائه بحكم موصول وقضاء مفصول وحكم مقضي وقدر واجل مسمى لوقت معلوم ، فلا يستخفنك الذين لا يوقنون ..انهم لن يغنوا عنك من الله شيئا فلا تعجل ، فان الله لا يعجل لعجلة العباد ، ولا تسبقن الله فتعجزك البلية فتصرعك.. فغضب زيد عند ذلك..ثم قال :

ـ ليس الامام منا من جلس في بيته وارخى ستره وثبط عن الجهاد ، ولكن الامام منا من منع حوزته وجاهد في سبيل الله حق جهاده ودفع عن رعيته وذب عن حريمه .. قال ابو جعفر :

هل تعرف يا اخي من نفسك شيئا مما نسبتها اليه فتجيء عليه بشاهد من كتاب الله او حجة من رسول الله او تضرب به مثلا ؟..فان الله عروجل احل حلالا وحرم حراما ، وفرض فرائض وضرب امثالا وسن سننا ، ولم يجعل الإمام القائم بأمره شبهة فيما فرض له من الطاعة ان يسبقه بامر قبل محله أو يجاهد فيه قبل حلوله ، وقد قال الله عز وجل في الصيد …فجعل لكل شيء اجلا ولكل اجل كتابا ، فان كنت على بينة من ربك و يقين من امرك وتبيان من شأنك فشأنك ، وإلا فلا ترومن أمرا انت منه في شك وشبهة ، ولا تتعاطَ زوال ملك لم تنقض اكله ولم ينقطع مداه ، ولم يبلغ الكتاب اجله ، فلو قد بلغ مداه وانقطع اكله وبلغ الكتاب اجله لانقطع الفصل وتتابع النظام و لأعقب الله التابع والمتبوع الذل والصغار ، اعوذ بالله من امام ضل عن وقته فكان التابع فيه اعلم من المتبوع ، أتريد يااخي ان تحيي ملة قوم قد كفروا بآيات الله وعصوا رسوله؟ ..اعيذك بالله يا اخي ان تكون غدا المصلوب بالكناسة . کثم ارفضت عيناه بالدموع وسالت دموعه ، ثم قال: الله بيننا وبين من هتك سترنا وجحدنا حقنا وافشا سرنا ونسبنا الى غير جدنا ، وقال فينا مالم نقله في انفسنا.. ‍

ان هذا الحوار يرويه الكليني في (الكافي) في القرن الرابع الهجري ، ومن المحتمل ان يكون موضوعا في وقت متأخر من قبل الامامية ضد الزيدية، ولكنه يعبر عن احتجاج الامام الباقر على اخيه زيد بالعلم ، قبل نشوء نظرية النص او الوصية في الامامة

اما زيد بن علي فقد كان يقول­· ليس الامام منا من جلس في بيته و ارخى ستره وثبط عن الجهاد ، ولكن الامام منا من منع حوزته وجاهد في سبيل الله حق جهاده ودفع عن رعيته وذب عن حريمه.

اذن فان نظرية الامام الباقر السياسية كانت تقوم بصورة رئيسية على اعمدة العلم وامتلاك سلاح رسول الله وحق وراثة المظلوم اكثر مما كانت تقوم على النص الصريح او الوصية الواضحة ، حيث لم تكن نظرية (الإمامة) قد تبلورت لدى الشيعة في بداية القرن الثاني الهجري الى مرحلة الارتكاز على موضوع النص او الوصية « وكان عامة الشيعة ذلك الحين يجهلون ·حق¨ الامام الباقر في الامامة ولا يكادون يميزون بينه وبين سائر اقطاب البيوت الحسنية والحسينية والعلوية والهاشمية ، الذين كانوا يتصدون لقيادة الشيعة ويتنافسون عليها. وقد نجح الامام محمد الباقر في تكوين قطاع خاص من الشيعة يؤمن بالولاء له ، ولكنه سرعان ما تشرذم بعد وفاته ، حيث ذهب فريق منهم الى اتباع اخيه الامام زيد بن علي ، الذي اعلن الثورة ضد الخليفة الاموي هشام بن عبدالملك اعتمادا على نظرية (اولي الارحام )قال :· انـ ارحام رسول الله اولى بالملك والامرة ¨ و دعا الى نصرة اهل البيت ، بصورة عامة ، وقال: ·انا ندعوكم الى كتاب الله وسنة نبيه وجهاد الظالمين ، والدفع عن المستضعفين واعطاء المحرومين ، وقسم هذا الفيء بين اهله سواء ورد المظالم

واقفال المجمر ونصرنا اهل البيت على من نصب لنا وجهل حقنا.

وذهب فريق آخر ، بقيادة المغيرة بن سعيد ، الى القول بامامة محمد بن عبدالله بن الحسن ذي النفس الزكية الذي كان يعد نفسه للخروج ضد الحكم الاموي ، بينما ذهب فريق ثالث الى اتباع الامام جعفر بن محمد الصادق

 

نظرية الامام الصادق السياسية

وقد استطاع الامام الصادق ان يثبت امامته وجدارته في قيادة الشيعة بما كان يتمتع به من خلق رفيع وعلم غزير ومحتد كريم . ولم يكن بحاجة ماسة للوصية او الاشارة اليه لكي يتبوأ ذلك المقام العظيم الذي احتله في المجتمع والتاريخ . ولا توجد في التراث الشيعي احاديث كثيرة عن موضوع النص عليه او الوصية له من ابيه في الامامة ، ما عدا رواية تتحدث عن وصية عادية جدا ، يرويها الامام الصادق بنفسه حيث يقول:· ان ابي استودعني على ما هناك فلما حضرته الوفاة قال : ادع لي شهودا . فدعوت له اربعة من قريش فيهم نافع مولى عبدالله بن عمر فقال : اكتب :هذا ما اوصى به يعقوب بنيه يابني ان الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن الا وانتم مسلمون . واوصى محمد بن على الى جعفر بن محمد ، وامره ان يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه الجمعة وان يعممه بعمامته ، وان يربع قبره ويرفعه اربع اصابع وان يحل عنه اطماره عند دفنه . ثم قال للشهود : انصرفوا رحمكم الله. فقلت له : ياابتِ ما كان في هذا بأن يُشهد عليه .فقال : يابني كرهت ان تغلب ، وان يقال لم يوصِ اليه فاردت ان تكون لك الحجة¨. ‍¬

 

وتشير بعض الروايات التي ينقلها الصفار والكليني والمفيد عن الامام الصادق انه كان يخوض معركة الامامة مع منافسيه­ عمه زيد وابن عمه ذي النفس الزكية اعتمادا على موضوع الوصية من ابيه هذه ، اضافة الى موضوع امتلاكه لسلاح رسول الله وخاتمه ودرعه ولواءه ، ولكن المشكلة كانت تكمن في ان محمد بن عبدالله كان يدعي ايضا امتلاكه لسلاح رسول الله « وهذا ما دفع الامام الصادق الى تكذيبه بشدة ، والقول­·والله لقد كذب فوالله ما عنده ومارآه بواحدة من عينيه قط. ولا رآه عند ابيه . الا ان يكون رآه عند علي بن الحسين .‌

 

ويؤكد الامام الصادق في رواية اخرى ينقلها الكليني في (الكافي(:ان عندي الجفر الابيض ..وعندي الجفر الاحمر ، الذي فيه السلاح . وذلك انما يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل ، وان بني الحسن ليعرفون هذا كما يعرفون الليل انه ليل والنهار انه نهار ..ولكنهم يحملهم الحسد وطلب الدنيا على الجحود والانكار . ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيرا لهم . ‍

 

ويقول في رواية اخرى:· كذبوا والله . قد كان لرسول الله سيفان وفي احدهما علامة في ميمنته فليخبروا بعلامتهما واسمائهما ان كانوا صادقين .ولكن لا ازري ابن عمي . اسم احدهما : الرسوم . والآخر مخذم¨

 

ولكن المشكلة التي كانت تواجه الامام الصادق هي عدم استطاعته اظهار السلاح للملأ العام مخافة السلطان ، ولذلك فقد طرح دليلا بديلا عن موضوع السلاح هو (الوصية) حيث قال لأحد اصحابه :عبدالاعلى الذي سأله عن هذه الاشكالية­ ·لا يكون في ستر الا وله حجة ظاهرة¨ . واشار الى الوصية السابقة كدليل متمم على الامام

 

ويظهر من بعض الروايات التي يذكرها الصفار والمفيد : ان موضوع السلاح كان في تلك الفترة أهم موضوع حاسم في معركة الامامة بين محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن وبين الامام الصادق ، حيث يقول الامام الصادق­·مثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني اسرائيل . كانت بنو اسرائيل في اي بيت وجد التابوت على ابوابهم اوتوا النبوة . ومن صار اليه السلاح منا اوتي الامامة . ولقد

لبس ابي درع رسول الله فخطت عليه الارض خطيطا .ولبستها انا وكانت .وقائمنا من اذا لبسها ملأها ان شاء الله¨

وتشير رواية اخرى اضافة الى السلاح الى دور العلم في تحديد شخصية الامام . يقول الامام الصادق فيها موجها كلامه الى الشيعة : ولو انكم اذا سألوكم (بنو الحسن) واجبتموهم واحتجوكم بالامر كان احب الي ان تقولوا لهم :انا لسنا كما يبلغكم . ولكنا قوم نطلب هذا العلم عند من هو اهله ومن صاحبه .. وهذا الجفر عند من هو ومن هو صاحبه . فان يكن عندكم فانا نبايعكم وان يكن عند غيركم فانا نطلبه حتى نعلم

ويفهم من هذه الرواية ان بني الحسن كانوا يدعون العلم وحيازة الجفر . كما كانوا يدعون حيازة سلاح رسول الله وكانوا ايضا يدعون حيازة ˜مصحف فاطمة وذلك كدليل على شرعيتهم واحقيتهم بالامامة . ومع غموض محتوى ˜مصحف فاطمة فان الامام الصادق ينفي وجوده لدى بني الحسن ، و يقول ­ ان في الجفر الذي يذكرونه لما يسوؤهم لانهم لا يقولون الحق . .والحق فيه فليخرجوا قضايا علي وفرائضه ان كانوا صادقين . وسلوهم عن الخالات والعمات وليخرجوا مصحف فاطمة فان فيه وصية فاطمة . ومعه سلاح رسول الله . ان الله عزوجل يقول ­˜فأتوا بكتاب من قبل هذا او اثارة من علم ان كنتم صادقين

 

ويتحدث الامام الصادق عن الميزة التي تؤهله للامامة فيقول : · اما والله عندنا مالا نحتاج الى الناس وان الناس ليحتاجون الينا . ان عندنا الصحيفة : سبعون ذراعا بخط علي واملاء رسول الله ..فيها من كل حلال وحرام

 

ويشرح الامام الصادق العلم الذي كان لديه فيقول انه : · انه وراثة من رسول الله ومن علي بن ابي طالب . علم يستغني عن الناس ولايستغني الناس عنه

 

ولم تكن قضية الوصية او السلاح او العلم لتشكل دليلا حاسما في صراع الامام الصادق مع عمه وابن عمه على قيادة الشيعة ، لأنهم كانوا يدعون العلم والسلاح كذلك ، ولم يكن يعتقد هو بأن ذلك يشكل حجة شرعية كافية ، وانما مؤشرا مساعدا على دعواه في الامامة ، حيث لم يكن الامام الصادق يطرح نفسه كإمام مفترض الطاعة من الله ، وانما كزعيم من زعماء اهل البيت ، ولذلك فقد

استنكر قول بعض الشيعة في الكوفة ­ ·انه امام مفترض الطاعة من الله . وهذا ما تقوله نفس الرواية السابقة ، الواردة على لسان سعيد السمان وسليمان بن خالد : ان الامام الصادق كان جالسا في ثقيفة له اذ استأذن عليه اناس من اهل الكوفة فاذن لهم فدخلوا عليه فقالوا ­ يا ابا عبدالله ان اناسا يأتوننا يزعمون ان فيكم اهل البيت امام مفترض الطاعة ؟..فقال­ لا . ما اعرف ذلك في اهل بيتي . قالوا­ يا ابا عبدالله انهم اصحاب تشمير واصحاب خلوة واصحاب ورع . وهم يزعمون : انك انت هو ؟.. فقال : هم أعلم وما قالوا . ما امرتهم بهذا

 

ونتيجة لعدم تمتع الامام الصادق بميزة (إلهية) خاصة ، وعدم معرفة الشيعة في ذلك الزمان بأي نص الهي حوله بالامامة ، فقد نمت الحركة الزيدية بقيادة عمه زيد بن علي الذي فجر ثورة في الكوفة ،والتف الشيعة من بعده حول ابنه يحيى بن زيد الذي قام بثورة اخرى ضد النظام الاموي عام .. وبعد فشل هاتين الثورتين بثلاثة اعوام تفجرت ثورة شيعية اخرى واسعة عام ‍ للهجرة ، بقيادة احد الطالبيين هو ­ عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر الطيار .وهي الثورة التي عصفت بجماهير الشيعة في مختلف مدن العراق وامتدت الى الماهين وهمذان وقومس واصبهان والري وفارس ـ وقد كان شعار الثورة : (إلى الرضا من آل محمد) وهي دعوة عموم الشيعة في ذلك الحين ، وقد اتخذ عبدالله ابن معاوية من اصبهان مركزا لدعوته وحركته ومناطق نفوذه ، وبعث الى الهاشميين علويين وعباسيين يدعوهم اليه ليساهموا معه في ادارة البلاد التي سيطر عليها فقدم عليه منهم عدد كبير

 

و بعد فشل هذه الثورة ذهب الشيعة الى القول بامامة محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن ذي النفس الزكية الذي كان يعد نفسه كمهدي منتظر ، و قد بايعه عامة الشيعة بما فيهم العباسيون والسفاح والمنصور

 

نظرية الامامة العباسية

 و لكن العباسيين الذين انتصروا سنة وجدوا انفسهم في حرج شديد ، فقاموا بالانسحاب من الفكر الشيعي القديم وتعديل نظريتهم السياسية ، وذلك باعادة صياغة مصدر الشرعية لنظامهم الوليد استنادا على اولوية جدهم العباس بن عبدالمطلب في وراثة الرسول من ابن عمه علي بن ابي طالب و قد خطب ابو العباس السفاح الذي اصبح اول خليفة عباسي بويع له في الكوفة في ‍ربيع الاول سنة ،ـ خطبة وصف فيها بني العباس بأنهم حماة الإسلام واهله وكهفه وحصنه والقوام به والذابين عنه والناصرين له ، ثم أشار إلى قرابة العباسيين من الرسول وان الله خصهم برحم رسول الله وقرابته ثم تلا عدة آيات قرآنية كريمة هي ­انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا و قل لا اسألكم عليه اجرا الا المودة في القربى و وانذر عشيرتك الاقربين و ما افاء الله على رسوله من اهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى و اعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى .. ثم انتقد رأي السبئية الذين كانوا يميلون الى رأي الكيسانية فقال : وزعمت السبئية الضلال ان غيرنا احق بالرياسة والخلافة منا فشاهت وجوههم

 

وقد اشار داود بن علي عم الخليفة ابي العباس في خطبة البيعة لابن اخيه ، الى منبع الشرعية الجديد للدولة العباسية وهي الوراثة من العباس ، وقال : ·ان المسلمين قد اصبحوا ذمة الله ورسوله والعباس

 

ويذكر المسعودي في ­( مروج الذهب)­ ·ان الراوندية وهم شيعة ولد العباس من اهل خراسان وغيرهم كانوا يقولون : ان رسول الله قبض ، وان احق الناس بالامامة بعده العباس ابن عبدالمطلب ، لانه عمه ووارثه وعصمته لقول الله عزرجل­واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله وان الناس اغتصبوه حقه ، وظلموه امره ، الى ان رده الله اليهم ،وذلك بالرغم من انه لم يدع الخلافة ، وتبرأوا من ابي بكر وعمر واجازوا بيعة علي بن ابي طالب باجازة العباس لها ، وذلك لقوله : ياابن اخي هلم الى ابايعك فلا يختلف عليك اثنان ، ولقول داود بن علي على منبر الكوفة يوم بويع لابي العباس :ـ يا أهل الكوفة لم يقم فيكم امام بعد رسول الله إلا علي بن أبى طالب ، وهذا القائم فيكم ، يعني اباالعباس السفاح .

وقد اكد هذا التعديل النظري ، الخليفة العباسي المهدي محمد بن ابي جعفر المنصور ، عندما اثبت الامامة بعد رسول الله للعباس بن عبدالمطلب ، ودعا الراوندية اليها واخذ بيعتهم عليها ، وقال: · كان العباس عمه ووراثه واولى الناس به ، وان ابا بكر وعمر وعثمان وعلي وكل من دخل في الخلافة وادعى الامامة بعد رسول الله غاصبون متوثبون بغير حق ¨

 

وعقد المهدي الامامة والخلافة على اصحابه و اوليائه والامة للعباس بن عبدالمطلب بعد رسول الله، ثم عقدها بعد العباس لعبدالله بن العباس ، ثم عقدها بعده لعلي بن عبدالله المعروف بالسجاد ، ثم عقدها بعده لمحمد بن علي بن عبدالله ، ثم عقدها لابراهيم بن محمد المسمى بالامام ، ثم عقدها لاخيه عبدالله بن محمد السفاح ثم عقدها لاخيه عبدالله المنصور والد المهدي .

 

وقال الراوندية تبعا لذلك : · ان رسول الله قبض ، وان احق الناس بالامامة بعده العباس بن عبدالمطلب ، لأنه عمه ووارثه وعصبته لقول الله عزوجل­˜واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض . وان الناس اغتصبوه حقه وظلموه امره الى ان رده الله اليهم . وقالوا: لا امامة في النساء ولا يكون لفاطمة ارث في الامامة ولا يرث بنو العم وبنو البنت مع العم شيئا فيكون لعلي ولولد فاطمة ارث مع العباس في الامامة ، فصار العباس وبنوه اولى بها من جميع الناس¨

وهكذا طور الراوندية نظرية سياسية تقوم على الوراثة والحق النَسَبي وألغوا الشورى ، حيث قالوا: ·ان الاختيار من الامة للامام باطل خطأ ، وانها لا تجوز الا بعقد وعهد من الماضي الى من يرتضيه ويستخلف بعده¨. وقد صنف الجاحظ كتابا بهذا المعنى واسماه كتاب امامة ولد العباس يحتج فيه لهذا المذهب

 

المعارضة الحسنية

وبالطبع فقد رفض محمد بن عبد الله ذو النفس الزكية الذي كان زعيم الشيعة الأكبر في ذلك الحين ­ النظرية العباسية الجديدة ، كما رفض البيعة للسفاح والمنصور ، وكتب رسالة مطولة الى الاخير جاء فيها : ·فان الحق حقنا ، وانما ادعيتم هذا الامر بنا ، خرجتم له بشيعتنا ، وحضيتم بفضلنا ، وان ابانا عليا كان الوصي وكان الامام فكيف ورثتم ولايته وولده احياء؟..¨

وكتب المنصور ردا مطولا على رسالته ، جاء فيها­· واما قولك انكم بنو رسول الله کفان الله تعالى يقول في كتابه­ وما كان محمد ابا أحد من رجالكم . ولكنكم بنو ابنته وانها لقرابة قريبة ، ولكنها لا تجوز الميراث ، ولا ترث الولاية

 

ثم ظهر ذو النفس الزكية في المدينة في اول رجب سنة ‍ و اعلن انه احق ابناء المهاجرين في تولي الخلافة ، واشار الى ان جميع الامصار الاسلامية قد بايعته ، وقد حضي ببيعة اشراف بني هاشم

 

ويروي الاصفهاني في (مقاتل الطالبيين)­ان الصادق سمح لابنيه موسى وعبدالله بالانضمام الى ثورة محمد بن عبدالله في المدينة وان محمدا اراد اعفاءهما من المشاركة فيها ولكن جعفرا أصر¹ على ذلك كتعبير عن تأييده لحركة ذي النفس الزكية

 

النظرية الشيعية العامة

لقد كانت قضية الثورة ضد الامويين تجمع بين مختلف فصائل الحركة الشيعية في اوائل القرن الثاني الهجري ، ولم يكن عامة الشيعة يميزون كثيرا بين أئمة اهل البيت ، ولذا فقد كانوا ينخرطون في اية حركة يقوم بها اي واحد منهم ، وهذا سالم بن ابي حفص ، الذي كان اول الدعاة الى امامة الصادق بعد وفاة ابيه ، ينضم الى حركة زيد مع مجموعة من اصحابه هم : كثير النوى ابو اسماعيل او كثير ابن اسماعيل بن نافع النواء ، والحكم بن عيينة ، وسلمة بن كهيل ، وابي المقدام ثابت الحداد ، وقد كان سليمان بن جرير يقول: ان من شهر سيفه من اولاد الحسن والحسين وكان عالما زاهدا شجاعا فهو الامام . ـو ان عليا هو افضل الناس بعد الرسول وأولاهم بالامامة ، ولكنه سلم الى الخلفاء الراشدين الثلاثة الاوائل الامر لهم راضيا ، وترك حقه راغبا ، فنحن راضون بما رضي ، مسلمون بما سلم و قد اثبت امامة ابي بكر وعمر ، باختيار الامة حقا اجتهاديا ، وكان يقول : ان الامامة شورى فيما بين الخلق ... و ان الامة اخطأت في البيعة لهما مع وجود علي خطأً لا يبلغ درجة الفسق وذلك الخطأ خطأ اجتهادي ، غير انه طعن في عثمان للاحداث التي احدثها ، واكفره بذلك ، واكفر عائشة والزبير وطلحة لاقدامهم على قتال علي

 

و كان ابو الجارود زياد بن ابي زياد الهمذاني الكوفي يوالي الامام الباقر في البداية ثم انتقل الى حزب اخيه زيد بن علي ، مع مجموعة كبيرة من اصحابه ، وبالرغم من انه كان متطرفا ضد الصحابة الذين يتهمهم بعدم التعرف على الامام علي لانتخابه ، فانه كان ينفي وجود نص صريح على الامام علي بالامامة ، ويقول : انه كان بالوصف دون التسمية « وبناء على ذلك كان الجارودية يبنون نظريتهم في الامامة على اساس التصدي والخروج (الثورة) وليس على اساس النص ، ويؤمنون باشتراك ولد الحسن والحسين في الامامة ، و يرفضون تخصيص الحق بالامامة في ابناء الحسين فقط ، وينكرون وجود اية نصوص حول ذلك .

 

وقالوا نتيجة لذلك : ان امامة علي بن ابي طالب ثابتة في الوقت الذي دعا الناس واظهر امره ، ثم كان الحسين بعده اماما عند روجه ، ثم زيد بن علي ..ثم من دعا الى طاعة الله من آل محمد فهو امام ، وقد رفض الجارودية وعامة الزيدية حصر الامامة في اولاد الحسين ، واعتبروا من يقول ذلك خارجا عن الدين ، وقالوا انها (شورى ) في اولادهما جميعا ، وان الامامة صارت بعد الحسين باختيار اهل البيت واجماعهم

على رجل منهم ورضاهم به ، وخروجه بالسيف وقد تطرفوا جدا ضد ائمة الخط الحسيني واتهموا كل من ادعى منهم الامامة وهو قاعد في بيته مرخى عليه ستره بالكفر والشرك ، وكل من اتبعه في ذلك وكل من قال بامامته و رغم ان الجارودية كانوا اشد فرقة تطرفا في القول بالنص ،ـ في بداية القرن الثاني الهجري ـ، الا انهم لم يكونوا يقولون بقيام الامامة بالنص الى يوم القيامة ، بل كانوا يحصرون النص في الامام علي والحسن والحسين ، ويقولون : ان الامامة بعد ذلك هي شورى في ذرية الامام علي الى يوم القيامة ، فمن خرج منهم مستحقا للامامة فهو الامام .

و يؤيد هذا قول قسم من الشيعة في ذلك الوقت بانقطاع الامامة بعد الحسين وان الأئمة انما كانوا ثلاثة مسم¹ين باسمائهم ستخلفهم رسول الله واوصى اليهم وجعلهم حججا على الناس وقواما بعده واحدا بعد واحد ، وعدم الايمان بامامة احد بعدهم