"بسم الله الرحمن الرحيم


تحدثت في مؤتمر الامام المهدي (عج)عن الطوائف الأربعة من الروايات ودلالتها على ان المهدي الموعود المنتظر هو محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام المولود بسامراء سنة 255ه من خلال ثلاث محاور .

اما الطوائف الأربعة من الروايات فهي:
1.
حديث الثقلين المعروف ( اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي . وانهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدهما ) .
2.
أحاديث ( من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية ) .
3.
أحاديث ( أن الارض لا تخلو من حجة ) .
4.
أحاديث ( أن الائمة من بعد الرسول اثنا عشر )

واما المحاور الثلاث فهي :
اولاً – التأكد من وثاقة أسناد كل من هذه الأحاديث الأربعة .
ثانياً – دلالتها على وجود إمام وحجة لله تعالى على عباده من أهل البيت في كل عصر وأن الأرض لا تخلو من حجة لله تعالى في أي زمان .
ثالثاً – انطباق هذه الأحاديث على ما يقوله الشيعة الامامية الأثنى عشرية عن الإمام محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام . وعدم وجود مصداق آخر يتطابق مع هذه الأحاديث بشكل كامل .

واليك تفصيل هذه المحاور :

المحور الاول في التوثيق :
المحور الأول في توثيق الطوائف الأربعة المتقدمة ( الأحاديث الأربعة ) من حيث السند .
وقد تحدثت في البحث السابق بايجاز عن توثيق هذه الروايات من حيث السند .
واعجب من تضعيف الكاتب لحديث الاثنى عشر إماما او أميرا عند أهل السنة وفي حديث الشيعة . فقد رواها البخاري بطرق عديدة في الصحيح كما رواها مسلم بطرق عديدة في الصحيح وقد ذكرت بعض طرق محدثي أهل السنة في الأحاديث الأثنى عشر إماماً (أو أميراً) واخرج أصحابنا الامامية الحديث بطرق كثيرة جدا بالغة حد التواتر ، وفيها الصحيح الذي لايمكن فيه التشكيك من حيث السند .

فقد روى الحر العاملي صاحب الوسائل رحمه الله في الجزء الثاني من كتابه القيم ( اثبات الهداة ) تسعمائة وسبعا وعشرين حديثاً (927) من النصوص العامة لاثبات إمامة الأئمة الأثنى عشر عليهم السلام ، في الكثير منها تصريح بعدد الاثنى عشر بشكل صريح وبأسماء الأئمة عليهم السلام ، وجملة من طرق هذه الروايات صحيحة بلا إشكال ، وهي بالغة حدّ التواتر أيضاً بلا إشكال .

منها 95 رواية أخرجها الكليني في الكافي .
و53 رواية أخرجها الصدوق في عيون الأخبار .
و22 رواية أخرجها الصدوق في معاني الأخبار .
و92 رواية أخرجها الصدوق في اكمال الدين .
و 22 رواية أخرجها الصدوق في الأمالي .
و 18 رواية أخرجها الشيخ أبو جعفر الطوسي في الغيبة .
و 11 رواية أخرجها الشيخ أبو جعفر الطوسي في مصباح المتهجد .
وغير ذلك . ولست اعرف وجها علميا موضوعيا للتشكيك في رواية يرويها المحدثون عن 927 طريقا.

المحور الثاني في الدلالة :

1.اما حديث الثقلين الذي تضافرت على روايته صحاح الفريقين فقد دل بشكل واضح على اقتران الكتاب بحجة وامام من أهل البيت من بعد رسول الله (ص) .
فان رسول الله (ص) ترك فينا الكتاب والعترة من بعده ، وصرّح بانهما لا يفترقان حتى يردا عليه الحوض .
وأمر المسلمين بالتمسك بالحجج من أهل بيته ، كما أمرهم بالتمسك بالكتاب . ومعنى التمسك هو الأتباع والطاعة . وهذا هو معنى ( الحجة ) و ( الحجية ) . وليس للحجية معنى غير الاتباع والطاعة والتمسك .
وهولاء الحجج من أهل البيت كما في متن الحديث ، ومع القرآن جنباً إلى جنب في كل عصر ، لا يفترقان والحديث مما تسالم عليه المسلمون .

2. واما حديث ( من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة الجاهلية ) فيدل على :

أ . ان معرفة اولئك الائمة والحجج من أهل البيت من الدين ، ورفضهم والجهل بهم من الجاهلية ، بحيث يدور الاسلام والجاهلية معهما ايجاباً وسلباً . ومن يمت وهو لا يعرف امام زمانه يموت ميتة جاهلية .

ب . ويدل على وجود إمام منهم في كل زمان ، تجب طاعته ومعرفته ، وعلى استمرار حلقات الائمة (ع ) في كل زمان ، وانه لايخلو منهم زمان .
ومن يضع هذه الطائفة من الروايات الى جنب الطائفة الاولى من الروايات يجد تطابقا واضحا فيما بينهما .
فقد ورد في حديث الثقلين من الطائفة الاولى انهم حجج الله على عباده ويجب التمسك بهم ، وهم العدل الآخر للكتاب ، وما ان تمسك الناس بهم لن يضلوا ابداً .
وورد في الطائفة الثانية ان معرفتهم من دين الله والجهل بهم من الجاهلية والضلالة ، والحديث مما تسالم عليه الفريقان ، وقد ذكرنا بعض الفاظه وطرقه من قبل ، وممن اخرجه الشيخان في الصحيحين .

3. واما حديث ( أن الارض لاتخلو من حجة )
فقد أخرجه أصحابنا بطرق والفاظ كثيرة ، بالغة حد التواتر وبعض طرقها صحيح ، كما ذكرت في المقال . والحديث يدل على وجود حجة لله تعالى في كل زمان منذ وفاة رسول الله (ص) الى ان تقوم الساعة ، سواء كان ظاهرا مشهورا ، او خائفاً مغموراً ، كما ورد في (نهج البلاغة ) .
ومن يألف لغة حديث أهل البيت (ع) يعرف ان المقصود من الحجة هو الامام المعصوم ( راجع كتاب الحجة من اصول الكافي ) .

4. والطائفة الرابعة روايات ( الاثنى عشر اماماً ، او اميراً ، او وصياً ) من بعد رسول الله (ص) التي تضافرت روايتها من طرق الفريقين .
وهي تدل على ان الائمة من بعد رسول الله اثنا عشر فقط ، وانهم من قريش ، وفي طرق أصحابنا الامامية أنهم من ذرية علي عليه السلام .


المحور الثالث في التطبيق :

المحور الثالث في تطبيق هذه الروايات على الواقع في تاريخ الاسلام . وهو المحور الثالث للبحث الذي قدمته إلى مؤتمر الامام المهدي (عج) .
فأننا إذا تأكدنا من صحة الاحاديث الاربعة من حيث السند أولاً .
وتأكدنا من دلالتها على وجود اثنى عشر اماماً وحجة من اهل البيت من جانب الله . فلا يبقى تطبيق حقيقي ودقيق لهذه الاحاديث غير ما تعرفه الشيعة الامامية ( واقصد بهم الاثنى عشرية) من القول بإمامة أئمة أهل البيت عليهم السلام في إثنى عشر حلقة متصلة ، وولادة وغيبة الامام الثاني عشر منهم ، وهو محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام .
واذا الغينا عقيدة الشيعة الامامية من الحساب لم يبق معنى ولا تطبيق لهذه الاحاديث البتة .
اما المذاهب التي لا تتبنى مسألة ( الغيبة والانتظار ) فلا يمكن تطبيق هذه الاحاديث عليها لانقطاع حلقات الامامة عنها في ادوار كثيرة ومراحل طويلة من التاريخ ، حتى لو اخذنا بتمحل السيوطي في ترتيب الاثنى عشر إماما. وعليه تتخلف معهم الطائفة الاولى والثانية والثالثة من الأحاديث .
واما المذاهب التي تتبنى مسألة ( الغيبة والانتظار ) في الامام ، كالاسماعيلية فهي ايضا غير قادرة على اعطاء تفسير صحيح لهذه الطوائف الاربعة من الاحاديث لتخلف الطائفة الرابعة عنها ( وهي الروايات التي تصرح بان عدد خلفاء رسول الله (ص) من بعده اثنى عشر اماما او اميرا ) .

فينحصر الأمر في تطبيق هذه الروايات في تاريخ الاسلام على ما تقول به الشيعة الامامية ، وليس له من تطبيق آخر ، ولا نعرف تطبيقاً آخر لهذه الطوائف الاربعة من الروايات غير ما يقول به الامامية من الايمان بولادة الامام محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام وغيبته ، وهذا هو معنى ( المطابقة والانحصار ) .
وعندئذ يتم الاستدلال بهذه الطوائف الاربعة من الروايات بشكل كامل ، لانحصار الأمر في تطبيق هذه الروايات على ما تقول به الامامية ، وعدم وجود أي تطبيق آخر معروف في تأريخ الاسلام لها .

وقد ذكرت لذلك مثالا في المقال وقلت اذا عثر شخص على مال في دار لا يدخلها غير أربعة – مثلا – فادعاه أحدهم ، لايعرف له كذب ، وعُرِضَ المال على الاخرين فلم يدعه غيره ، فان الذي عثر على المال يدفعه إلى من ادعاه دون ان يطالبه بيمين او بينة ، بموجب سيرة العقلاء . والامر الذي بين ايدينا يشبه هذا المثال بعض الشئ .
ويقول كاتب النقد ( اذا لم نعرف توجيها لتلك الاحاديث فكيف نطبقها على إنسان لم تثبت ولادته ولا وجوده بعد ) .
اقول نحن لا نشك في ولادة الامام عليه السلام وغيبته وبهذه العقيدة يؤمن أمة واسعة وكبيرة من الناس ، وعريقة في التاريخ … ولكن للكاتب ان يشك في صحة هذه العقيدة ، فيكون أمامه افتراضان كأي قضية علمية اخرى تخضع للبحث العلمي :

الافتراض الاول : صحة عقيدة الامامة .
الافتراض الثاني : عدم صحة هذه العقيدة .

وله أن يُخْضِعْ هذين الافتراضين للدراسة في ضوء الطوائف الاربعة المتقدمة من الحديث التي لايمكن انكارها ولا تكذيبها كما تقدم .
عندئذ يجد ان الافتراض الاول يقدم بسهولة تفسيرا واقعيا تاريخيا للطوائف الاربعة المتقدمة من الحديث ، لانطباقها الكامل عليه .
بينما الافتراض الثاني يؤدي به الى انكار الاحاديث الاربعة او تكذيبها ، والاول منها يعارض النهج العلمي المعروف للفريقين في توثيق الحديث ، والثاني منهما تكذيب لرسول الله (ص) وأهل بيته الذين اذهب عنهم الرجس ، وجعلهم رسول الله (ص) العدل الآخر للكتاب .

ويحاول الكاتب ان يقلل من قيمة العمق التاريخي والمساحة التي تغطيها هذه العقيدة في العالم بتكثير الفرق الشيعية التي لا تؤمن بهذه العقيدة فيقول ( وقد خلط في ذلك بين فرق الشيعة الامامية المختلفة كالاسماعيلية والواقفية والفطحية والمحمدية الذين قالوا بائمة مهديين آخرين)

وهي محاولة ضعيفة بطبيعة الحال ، ولا يمكن ان يصفها القارئ المنصف بالانصاف ، فلا يجوز مقارنة الشيعة الامامية في التاريخ والحاضر بفرق بائدة ، ليس لها أي حضور ثقافي وفقهي واجتماعي على وجه الارض كالواقفية والفطحية والمحمدية .
فان الشيعة الامامية الاثنى عشرية اوسع المذاهب الاسلامية بعد مذهب اهل السنة والجماعة
(
ونقصد بهم اهل السنة مجتمعين ) ولهم اليوم على وجه الارض مراكز علمية وحوزات ثقافية وجامعات وفقهاء ومفسرون ومحدثون وموسوعات في الفقه والحديث والتفسير ويمتّد تاريخهم الى اصول عريقة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين ، ويغطون مساحة واسعة جداً من العالم الاسلامي .

وتكثير الفرق الشيعية بهذه الصورة لا يؤدي الى تقليل قيمة عقيدة الشيعة الامامية في ولادة وغيبة الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام .
وكنت اتمنى ان اذكر طائفة من الروايات الصحيحة التي رواها اصحابنا الامامية بطرق صحيحة ومتواترة عن ولادة وغيبة الامام المهدي عجل الله فرجه ، كما وعدت من قبل غير أن النقد وصلني وأنا في السفر ولم يكن معي من مصادر الحديث ما اتمكن معه من انجاز الوعد السابق .

على ان فيما كتب علماؤنا رحم الله الماضين منهم وحفظ الباقين كالحر العاملي في اثبات الهداة و السيد صدر الدين الصدر في كتابه (المهدي) والتجليل التبريزي في كتابه عن الامام المهدي والصافي الكلبايكاني في منتخب الاثر والشيخ علي الكوراني في موسوعة الامام المهدي وغيرهم كفاية في هذا الباب .
على أمل العودة انشاء الله الى متابعة الموضوع .

وانني كنت اتمنى لكاتب المناقشات شيئا اكثر من الموضوعية في النقد . فليس يعاب على احد ان يحمل رأيا أو ينقد رأيا ولكن بشرط ان يلتزم بالنهج العلمي للنقد ، وذلك في موضوع خطير وحساس يخص عقيدة امة من المسلمين واسعة الانتشار على الارض ومعروفة ."