الكاتب يرد على الشيخ التريكي

بسم الله الرحمن الرحيم

" إِنْ أُرِيدُ إِلّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ". هود 88

صدق الله العلي العظيم

 

أصدر الشيخ حسن علي التريكي في لندن، بيانا نشره تحت عنوان:"الرد على بيان أحمد الكاتب وفضح لأكاذيبه وافتراءاته وتدليسه" بتاريخ 16 /4/ 2009 ويقصد بذلك الرد على "البيان الشيعي الجديد" الذي أصدرته مطلع السنة الهجرية الجديدة، وتضمن حوالي خمسين نقطة تعرف إيمان مجموعة من الجيل الشيعي الجديد، ومن بينها بعض النقاط  التي يختلفون فيها عن بعض الفرق الشيعية البائدة والمعاصرة.

ونحن إذ نشكر الشيخ التريكي على اهتمامه بالبيان الشيعي الجديد، وقيامه بالرد على بعض النقاط الواردة فيه وربما تأييده لبعض النقاط الأخرى الواردة فيه، كنا نود أن يبذل الشيخ جهدا أكبر في دراسة البيان، ووقتا أطول للرد عليه، ولا يتعجل كثيرا أو يرد باختصار شديد.

ويسرنا أن نرحب في البداية بتأكيده على أنه "ليس ممن يحجر على الفكر، ويمنع الناس من استماع الحق واتباعه" وإعلانه بـ  "أنه من أبناء الدليل أينما ما نميل، بل أكثر من ذلك؛ نحن نقول أنه يجب على الإنسان أن يبحث عن الحق، وأنه إذا ثبت لديه أن الحق مع فريق من الفرق فإنه يجب عليه أن يتبع الحق". ونود أن نسأله فيما إذا كان قد التزم بآرائه عن اجتهاد ودليل؟ أم عن وراثة وتقليد باعتبار أنها من الضروريات التي لا يجوز بحثها ولا الاقتراب منها؟.

  واذا كان يؤمن بحرية الاجتهاد، كما يقول، فهل يحترم المجتهدين حتى إذا اختلفوا مع ما يعتقده هو من ضروريات المذهب؟ أم يضيق بهم ذرعا؟ وهل يتخذ منهم موقفا إيجابيا؟ ويعتبرهم إخوانه في الدين؟ أم يحاول تشويه صورتهم بالباطل؟ ويستهزيء بهم ويرفض  مبدأ الاجتهاد؟

  واذا كان يلتزم حقا بمبدأ حرية الاجتهاد واحترام المجتهدين، لكان ينبغي على الشيخ التريكي أن يعنون بيانه بشكل آخر أكثر هدوءا، بدلا من توجيه الاتهام للكاتب بالافتراء والتدليس والكذب.

وعلى أي حال فقد اعتبر الشيخ التريكي تسمية "البيان الشيعي الجديد" زورا وبهتانا، وذلك لأن الكاتب كان شيعيا في السابق ولم يعد يؤمن بالفكر الإمامي، أو ما يسميه التريكي بعقيدة الشيعة من العصمة والنص على الأئمة ووجود الإمام الثاني عشر الغائب والتقية والشفاعة،  وبالرغم من أني قد صرحت في مقدمة البيان بأني أفضل الاقتصار على اسم الاسلام ونبذ العناوين الطائفية، وأن الغرض من كتابة البيان هو التبرؤ من الأفكار الدخيلة على الشيعة والتشيع كالتي يعتبرها التريكي من "المسلمات" إلا أنني لا أجد حرجا بإطلاق عنوان "الشيعي" على من لا يؤمن بمسلمات الشيخ التريكي الإمامية، وذلك لأن الشيعة الإمامية هم فرقة واحدة من سبعين فرقة شيعية ، فان الزيدية يعتبرون شيعة ولكنهم لا يؤمنون بنظرية الإمامة وتوابعها، كما ان الامامية فرق عديدة وليسوا جميعا يؤمنون بوجود الامام الثاني عشر الغائب، كالاسماعيلية الذين لا يؤمنون بموسى بن جعفر وأولاده. إذن فان مصطلح الشيعة عام يضم كل من يوالي أئمة أهل البيت، ولا يقتضي رفض بعض المعتقدات الدخيلة بالضرورة التخلي عنه وتحريم استخدامه. وهذا ما يؤكد عدم تضمن عنوان "البيان الشيعي الجديد" لأي زور أو بهتان.

طيب، سامح الله الشيخ حسن التريكي، فربما لم يقرأ كتاب النوبختي "فرق الشيعة" ولم يعرف  بدقة الفرق بين الفرق الشيعية المختلفة. ولم يطلع على آراء الفرق الشيعية الأولى التي لم تعرف تلك "الضروريات" التي يتحدث عنها.

وحتى يطمئن الشيخ التريكي الى حقيقة موقفنا نقول له: اننا مسلمون فقط، ولا نؤمن بالمذهبية والمذاهب المفرقة للمسلمين، وليس من الضروري اذا خرجنا من مذهب أن ندخل في مذهب آخر، أو نكون لنا مذهبا آخر..

وبعيدا عن هذا الموضوع ، دعونا نرى ما هي الأكاذيب والافتراءات والإيهامات التي تضمنها "البيان الشيعي الجديد" حسب قول الأخ التريكي؟

انه يعتبر قولنا في بداية البيان "انا نؤمن بالله والرسول واليوم الآخر والملائكة وخاتمية النبوة" نوعا من التدليس والكذب والتضليل، لأننا حسب  زعمه نريد أن نوحي لمن يقرأ البيان أن الشيعة لا يؤمنون بهذه الأمور.

وهذا من أعجب الأمور وأغربها وأشدها بهتانا وزورا، فهل سمعتم بأحد من أشد الناس عداوة للشيعة يقول بأن الشيعة لا يؤمنون بالله ولا بالرسول ولا باليوم الآخر؟

 ولست أدري كيف فهم الشيخ أن إثباتنا لعقيدتنا الاسلامية محاولة للتعريض بعقيدة الشيعة، ونحن لم نوجه كلامنا ونقدنا لأحد، وانما قلنا في مقدمة البيان إننا نراجع بعض الأمور التي بينا رأينا فيها وأعلنا تخلينا عنها بكل صراحة، ولم نكن نستعمل التورية والتعريض. وانما أعربنا عن رأينا وعقيدتنا من البداية الى النهاية، فأثبتنا إيماننا بالله تعالى واليوم الآخر والنبوة والأنبياء والملائكة وما الى ذلك، ثم قمنا بنقد الأمور التي نرفضها. ولكن يبدو أن الشيخ التريكي قرأ "البيان الشيعي الجديد" في حالة من الغضب والتشكيك وسوء الظن، فتوهم بأننا نريد أن نوحي للقراء ببعض الأمور المنكرة، التي لا تخطر على بال أحد، وحاول أن يشوه سمة الكاتب تمهيدا لالصاق تهمة الكذب والتدليس والتضليل به، وهو منها براء.

ولو كان الشيخ التريكي يقرأ البيان بموضوعية وهدوء لأعطاه حقه، وذكر الايجابيات الواردة فيه وعبر عن رأيه بهدوء في الأمور التي يختلف فيها مع الكاتب. ولكنه رسم لنفسه منهجا في الرد يقوم على التأويل والافتراض والقراءة المقلوبة، فقال في البند الثاني، بعد أن نقل قول الكاتب أنه يؤمن بانقطاع الوحي بعد النبي محمد (ص)، بأن الكاتب " يوحي   للقارئ أن الشيعة يؤمنون أن الوحي استمر بعد النبي (ص) وهذا كذب أيضا، ولا أحد من الشيعة يقول بذلك". ولست أدري كيف تجرأ التريكي على تقويل الكاتب ما لم يقله، ثم وصف ما تراءى له بالكذب. وسوف نناقش هذه النقطة بمزيد من التفصيل.

وهكذا حاول التريكي الاستنتاج من تصريح الكاتب في التعبير عن عقيدته حول القرآن والإيمان بسلامته من التحريف والتلاعب والزيادة والنقصان، بأنه يقصد " إيهام للقارئ بأن الشيعة يقولون بتحريف القرآن والتلاعب والزيادة والنقصان فيه، وهذا كذب أيضا فجمهور علماء الشيعة ومحققيهم متفقون على صيانة القرآن من التحريف والزيادة والنقصان" علما بأن الكاتب يصرح في نفس الفقرة بما يلي:" إن كل ما قيل أو ورد في الكتب الغابرة هي أحاديث ضعيفة وضعها الغلاة في تراث أهل البيت. وقد قام علماء الشيعة عبر التاريخ بنقد تلك الأحاديث والتبرؤ منها. ونأسف لاستمرار بعض خصوم الشيعة بترديد أسطورة تحريف القرآن، واتهامهم بها عبر التاريخ، واستعمالها أداة لضربهم واتهامهم بالكفر وانحراف العقيدة".

واذا كنا نسامح الشيخ التريكي على سوء فهمه لبعض العبارات، فيصعب علينا ان نقبل منه  حسن نيته في هذه الفقرة، وذلك لأنه قام عامدا متعمدا بحذف تتمة صريحة تنفي تبني الشيعة للقول بتحريف القرآن، بل وتؤكد بما لا يقبل الشك بتبرؤهم من ذلك القول، وانه لم يكن يعتمد الا على أحاديث ضعيفة وضعها الغلاة في تراث أهل البيت. وقد عبر الكاتب إضافة الى ذلك عن أسفه لاستمرار بعض خصوم الشيعة بترديد أسطورة تحريف القرآن واتهامهم بها، واستعمالها أداة لضربهم واتهامهم بالكفر وانحراف العقيدة، فكيف يأتي الشيخ التريكي بعد كل ذلك ليدعي بأن الكاتب يحاول إيهام القارء بأن الشيعة يقولون بتحريف القرآن والتلاعب والزيادة والنقصان فيه، وانه كذب؟

ونرجو من الاخوة القراء المهتمين أن يلاحظوا من يحاول الكذب والاتهام والافتراء عمدا وزورا؟

 

مرة أخرى غفر الله للشيخ التريكي وسامحه  وهداه.

   لقد بنى الشيخ التريكي رده على "البيان الشيعي الجديد" على مجموعة تأويلات تعسفية، وتقويلات لم يقلها أحد، واستنتاجات مقلوبة مائة بالمائة، ومنها قوله أيضا: "ان الكاتب يحاول إيهام القارئ بأن الشيعة لا يجلون الصحابة، وأنهم يتهمون أم المؤمنين عائشة بالإفك وأنها ارتكبت الفاحشة (أي الزنا) فهذا من أكاذيبه وأكاذيب من يقف وراءه" ولسنا بحاجة لمناقشة كلامه بعدما اتضح  آنفا كيف يحاول أن يتشبث بأية قشة للتهريج على الكاتب واتهامه بالكذب والتدليس والتضليل.

  ونعود الى نقطة مهمة جدا وردت في رد التريكي على البيان الشيعي الجديد، وهي مسألة قول بعض الشيعة قديما وحديثا، بأن الإمامة  أصل من أصول الدين أو المذهب، وبأنها تشكل امتدادا للنبوة، أو جزء ملحقا بها، حتى ذهبوا الى ادعاء نزول الملائكة على الأئمة، او حصول العلم اللدني لديهم بالالهام  من الله، وسموا الامام "محدثا". وقد حاول البيان الشيعي الجديد أن يتبرأ من هذه الأفكار التي يعتبرها من أفكار الغلاة والمتطرفين، التي نفاها أئمة أهل البيت، ورفضها العلماء الشيعة المحققون، ولم يعرفها عامة الشيعة،  وقد أيد الشيخ التريكي ما ذهبنا اليه فقال:" لا أحد من طلبة العلوم عند الشيعة فضلا عن العلماء والمحققين ممن يقول بهذا الرأي". ولكنه حاول كعادته أن يتهم الكاتب بالإيحاء بأن الشيعة يعتقدون أن الأئمة يتلقون الوحي كما كان رسول الله يتلقى الوحي من الله، وقال:" إن هذا من افتراءاته وهو يعلم أنه يكذب في ذلك".

  وبغض النظر عن مناقشة التريكي في وجود فريق من  الشيعة الإمامية يؤمن بذلك أو لا؟، فانه عاد فأكد بعض مقولات الغلاة من حيث أراد أن ينفي، فقال:" أما كون الإمام محدّث أو ملهم لا يعني أنه ينزل عليه الوحي بالمعنى المعروف للوحي". ونحن نطلب من التريكي أن يستغفر الله على قوله هذا فانه ينقض قوله السابق، إذ لا معنى لكون الإمام "محدثا" الا حديث الملائكة معه، وهذا ما يعني نزول الوحي عليه، وكذلك الالهام هو نوع من الوحي، وليس الوحي الا الهاما غيبيا من الله، وهو مما كان يقول به الغلاة من الشيعة الإمامية الذين كانوا يعتبرون علم الإمام أكثر من الرواية والنقل والاجتهاد، وانه نوع من النبوة، حتى قال بعضهم بأن الأئمة أنبياء ، واضطر أئمة أهل البيت لنفي ذلك بشدة.

وربما كان الشيخ التريكي يردد مقولات الغلاة وهو لا يفهم معناها، أو يحاول تبريرها وتأويلها بأية طريقة، ولكنه لو درس فكر أهل البيت بدقة لميز بينه وبين أقوال الغلاة الذين دسوا الكثير من أفكارهم ونظرياتهم المنحرفة في تراث الشيعة والتشيع، ولأدرك عندها السر وراء إصدار "البيان الشيعي الجديد" الذي يحاول ان يقرأ تراث أهل البيت قراءة معمقة، ويزيل عنه ما علق به عبر التاريخ من خرافات وأساطير وبدع واقوال مغالية.

ولن أناقش الشيخ التريكي فيما تطرق اليه من تفسير معنى "الإمام" وهل هو "الإمام المعصوم" أم "الرئيس والسلطان والحاكم"؟ وأترك ذلك لكتابي "التشيع السياسي والتشيع الديني" فهو يتكفل بشرح هذه النقطة بالتفصيل، وأرجو من الشيخ أن يطلع عليه ليعرف مدى التطورات التي حدثت في الفكر السياسي الشيعي عبر التاريخ، وتطور مفهوم كلمة" الإمام" من المعنى السياسي الى المعنى الديني المختلط بالسياسة، الى المعنى الديني المجرد، وليكتشف بعد ذلك كيف تخلى الشيعة عمليا عن نظرية "الإمامة الإلهية" واشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الإمام، أي الرئيس والحاكم؟

  وأود أن اتوقف قليلا عند استهزاء الشيخ التريكي بالدعوة للاجتهاد والنظر وعدم التقليد، خاصة في الأمور الفكرية والعقدية والأصولية، وأسأله فيما إذا كان قد اجتهد في مسألة إمامة الاثني عشر وولادة الإمام المهدي؟ وما هي أدلته على ذلك من القرآن والسنة النبوية الثابتة؟ وهل يسمح لأحد أن يقوم بالاجتهاد فيها؟ أم يوجب عليه التقليد الأعمى؟ ويحرم التفكير؟ وما رأيه بقول الشيخ الطوسي بحرمة التقليد ووجوب الاجتهاد على كل مكلف، والاستماع الى الآراء المختلفة والنظر فيها واختيار الرأي الأصوب القائم على الدليل؟

 ولا يسعني في النهاية سوى تأكيد ما ورد في مقدمة "البيان الشيعي الجديد" من أن الخلاف الطائفي (الشيعي السني) خلاف سياسي تاريخي كان يدور حول شكل النظام الدستوري للمسلمين، وفيما إذا كان شوريا؟ أم ملكيا وراثيا؟ أم عسكريا؟ ودينيا؟ أم مدنيا؟، وفي هذه العائلة أو تلك؟ وأن ذلك الخلاف تطور في العصور الوسطى وفي ظل الأنظمة الديكتاتورية المستبدة إلى خلاف فقهي ديني وعاطفي. وقد تجاوزه الزمن، وفَقَدَ مبرر وجوده اليوم بعد حدوث تطورات هائلة في حياة المسلمين. وهو على أية حال ليس خلافا عقديا جذريا ولا خالدا إلى يوم القيامة. بل آن له أن يدفن في مقابر التاريخ. 

أحمد الكاتب

16/ 4/ 2009

 

للاطلاع على "البيان الشيعي الجديد" اضغط هنا

http://alkatib.co.uk/newshiamanifisto.htm

 

كما يمكن الاطلاع على كتب أحمد الكاتب في موقعه على الانترنت:

 التشيع السياسي والتشيع الديني

http://alkatib.co.uk/000.htm

 

تطور الفكر السياسي الشيعي.. من الشورى الى ولاية الفقيه

 

تطور الفكر السياسي السني نحو خلافة ديموقراطية

 

الفكر السياسي الوهابي، قراءة تحليلية

 

السنة والشيعة.. وحدة الدين، خلاف السياسة والتاريخ

 

حوارات أحمد الكاتب

 

المرجعية الدينية الشيعية وآفاق التطور، الشيرازي نموذجا