نقد وتقييم كتاب :

(كفاية الاثر في النصوص على الائمة الاثني عشر)

 

     ويروي ابو القاسم علي بن محمد بن علي الخزاز القمي الرازي ـ وهو من علماء القرن الرابع ومن تلامذة الصدوق ـ في كتابه:(كفاية الاثر في النصوص على الائمة الاثني عشر) حوالي مائتي رواية عن الرسول الاعظم محمد (ص) والائمة الاحد عشر حول موضوع :( الاثني عشرية ) و ( المهدي المنتظر الامام الثاني عشر الحجة بن الحسن العسكري ) .

    ويظهر من الروايات التي يوردها الخزاز انه كان يميل الى الفرقة التي تحرم ذكر  اسم المهدي ، وتكتفي بالاشارة اليه بــ :( الحجة بن الحسن ) حيث لم يرد في جميع  الروايات التي ذكرها اسم المهدي (محمد) صريحا سوى بضع مرات .

     وذلك خلافا لشيخه الصدوق ، ووفاقا لجيل النواب الاربعة الذين كانوا يحرمون التصريح باسم المهدي .

     ومع ان الخزاز كان متأخرا عن  الصدوق والكليني والنعماني فانه قد نقل في كتابه :(كفاية الاثر) من الروايات حول ( المهدي الثاني عشر ) اكثر ممن سبقه ، وهذا  امر يدعو للشك والريبة والتساؤل عن مدى صحة تلك  الروايات ..

    وقد كان اول من انتبه الى هذا الامر الخزاز نفسه ، حيث حاول ان ينفي الشك بها بادعاء التواتر اولا وعدم امكانية اتفاق صحابة رسول الله الذين ينقل عنهم شطرا من الروايات على الكذب .

     مع ان الشك واصابع الاتهام ليست موجهة الى الصحابة وانما الى الجيل المتأخر من  اصحاب نظرية ( الامامة الاثني عشرية ) ولكنه حاول ان يحرف الاتهام فقال:

    ـ تأملوا رحمكم الله ان هؤلاء الرواة من اجلاء اصحاب النبي (ص) وخيار العترة والتابعين الذين نقلوا عنهم هذه الاخبار في النصوص على الائمة الاثني عشر صلوات الله عليهم ، عن النبي (ص) هل يجوز على امثالهم افتعال الكذب وهم  متباعدو الهمم والاوطان مختلفو الاراء والديانات ، مع اتفاقات المعاني والعبارات             المختلفات ، وهم عدد كثير وجمّ غفير ، وقد استوفوا جميع شرائط التواتر (...) ثم رأيناهم مجتمعين على تلقي الاخبار التي وردت بالنص على ان الامام فلان ثم فلان بالقبول..كلا ولا يجوز على امثالهم افتعال الكذب .

الخزاز:كفاية الاثر 201

 

     ويقول:

   ـ ولو جاز على امثالهم افتعال الكذب لجاز لقائل من البراهمة ان يقول: اذا  كانت الامامية ـ وحالهم في دهرنا الحال التي نعرف ـ وقد استوفوا جميع شرائط التواتر ، ثم كانت اخبارهم التي رووها عندكم لم تكن لها اصل ، وانما افتعلوها  محبة لأئمتهم ، فلم انكرتم قولنا وتعجبتم منا لما زعمنا ان المسلمين يحيلون فيما   

يحكون من براهين نبيهم على السراب ويريدون ان يطموا ( يطمسوا) نور الشمس ،  وهذه اخبار افتعلوها لنبيهم ؟

     فلا بد في هذا من احد امرين: اما الاعتراف بصحة اخبار الامامية في النصوص على الائمة الاثني عشر فيصح بصحتها مذهبهم ، أو الانقياد للبراهمة ، ليس بين الحق والباطل واسطة يمكن التعلق بها ، واثبات الامامة أحسن من نفي النبوة ، والحمد لله.

المصدر202

 

     وهكذا يخيرنا الخزاز بين قبول روايات (الاثني عشرية) التي يظهر انها كانت  منتشرة في عهده في ظل الدولة البويهية ، دون ان يسمح لنا بمناقشتها او القول انها  كانت مختلقة من الجيل السابق ،او القبول بقول البراهمة في نفي صحة الروايات التي   تتحدث عن رسول الله ، والتي يجمع عليها المسلمون ، كأنه يريد ان يقول : ان مستوى   التواتر في الموضوعين واحد فاذا شككنا في روايات الاثني عشرية فلابد ان نشكك في      روايات الرسول ، وذلك بالرغم من وجود فارق كبير بين الموضوعين ، وقد سمعنا اقوال العلماء السابقين كالصدوق وغيره في وصف روايات الاثني عشرية بالآحاد .

 

    ويعود الخزاز فيقول:

    ـ فان قال قائل :فلم لم ينقل هذه الاخبار اسلافنا ولم يثبتوها في كتبهم ؟ ولم  ينشروها في الآفاق حتى سمعناها كما سمعتم فرويناها كما رويتم؟..او يجوز على العدد   الكثير وعلى من يتواتر به الخبر ان يكتموا خبرا يحتاج اليه الامة أشدّ حاجة ؟..وهو  في الامر العظيم الخطير الشريف ، وقد توعدوا على كتمانه ووعدوا على اذاعته ، للاسباب التي ذكرتم؟

     فان قلتم: نعم ، قلنا واذا جاز عليهم الكتمان لخبر ،هذا سبيله ، لتلك الاسباب ، فلم لا يجوز عليهم تعمد الكذب فيما احسوا وعاينوا ؟..وما الفرق بين الكتمان والكذب؟..

المصدر

     وفي الجواب علي ذلك يقول بعد ان يقسم الكتمان الى عدة انواع:

     ـ صح بما وصفناه ان الكتمان يجوز وقوعه على وجه لا يجوز وقوع الكذب عليه

المصدر205

 

      ويعود الخزاز مرة اخرى في كتابه لمناقشة الشكوك التي تعتري رواياته فيهرب ايضا من مناقشة احتمال الوضع من قبل المتأخرين لكي ينفي الوضع من قبل الائمة ، مع ان التهمة في الحقيقة هي ليست موجهة الى الائمة وانما الى جماعة من المتأخرين ، فيقول:

    ـ هذه اسعدك الله أحاديث الرواة ننقلها عن الائمة المعصومين (صلوات الله عليهم) ونص بعضهم على بعض ، على موافقة احاديث الصحابة في النصوص على الائمة ...فكيف يجوز ويصح في العقل بتواطؤ جماعة مختلفي الاراء والهمم متباعدي الديار والاوطان ، وفيهم جماعة من اهل بيت الرسول ، وهم عند جميع الامة بررة أتقياء ، وعند بعضها معصومون من الخطايا والزلل على وضع أحاديث افتعلوها لكي يغالطوا الناس ويشككوهم   في امر هؤلاء؟..هذا مما لا يجوز في العقل ولا يصح في التقدير ، لأن الله تعالى لا يمدح  المذمومين وقد مدحهم في مواضع كثيرة باتفاق الامة.

     فتأملوا الاخبار الصادقة تعرفوا بها فضل مابين خبر الصدق والكذب اذ كان مثل هذا الحديث لا يجوز ان يكون موضوعا مفتعلا كما قدمنا ذكره..

المصدر 293 ـ 294

 

     وعلى اي حال ، وبالاضافة الى كل تلك الشكوك التي كانت تحيط بالكتاب منذ يوم  صدوره ، وبالاضافة الى اعتماده على مجموعة من الرواة الكذابين والغلاة والمجهولين والمهملين والمتهمين بالوضع والمختلفة اسماؤهم حسب اختلاف النسخ ، فان الكتاب (كفاية الاثر) لم يصلنا مرويا ومسندا ، ولا توجد منه الا نسخة قديمة مخطوطة بقلم مؤمن بن عبدالجواد الكاظمي ، ومؤرخة بيوم الاثنين غرة شهر شعبان سنة ست وثمانين بعد الالف ، وهي موجودة في مكتبة السيد المرعشي النجفي في قم في ايران، ونسخة اخرى مخطوطة بقلم تاج الدين بن عبدالله بن سليمان الفقيه ومؤرخة :عصر يوم الاربعاء عاشر ذي قعدة الحرام لسنة احدى وثلاثين وتسعمائة ، منقولة عن نسخة اقدم نسخت في سنة اربعة واربعمائة .وهي موجودة في مكتبة السيد جلال الدين المحدث الارموي في طهران .

     وذلك حسبما يقول محقق الكتاب السيد عبداللطيف الحسيني الكوه كمري الخوئي في  مقدمته للكتاب . دون ان يثبت صحة التواقيع والخطوط والتواريخ الموجودة على هذه النسخ .

     وهذا ما يفقد الكتاب اية قيمة روائية ، ويفتح المجال امام التشكيك بكل رواياته ، ولذلك اعرضنا عن مناقشتها ومناقشة سندها لعدم الحاجة الماسة الى ذلك ، وعدم تشكيلها اية حجة يمكن الاعتماد عليها.

 

     وهكذا الحال مع روايات الصدوق في :(اكمال الدين) والطوسي في :(الغيبة) حيث انها بحاجة  الى اثبات صدورها عن راوييها الصدوق والطوسي ، فان كتابيهما (اكمال الدين ) و(الغيبة) ليسا من الثقة بمكان قوي كالكتب الاربعة (الكافي ، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب والاستبصار)  مثلا التي رويت شيخا عن آخر ، حيث لا توجد لهما  سلسلة رواية تامة ومتواصلة ، وهذا ما يفتح باب الاحتمال بالتلاعب في رواياتهما واسانيدهما ، ومن هنا فان احاديثهما لا تصبح حجة علينا.