م / 7

الفصل  السابع :المقاطعة والانطواء الطائفي

1- المقاطعة النفسية والفكرية: التكفير واللعن

  أحدثت نظرية "الإمامة الإلهية لأهل البيت" تطورا كبيرا في بنية الحركة الشيعية، التي تحولت من حزب سياسي سابق يلتف حول أئمة أهل البيت منذ أيام الإمام علي والحسن والحسين، ويعمل من أجل الإصلاح في الأمة الإسلامية ونشر الحق والعدالة لعموم المسلمين، إلى طائفة منغلقة على نفسها، ومنفصلة عن بقية المسلمين. 

   فقد أدى رفع أمر "الإمامة" إلى مستوى العقيدة والعبادات الضرورية في الإسلام، إلى اعتبار "الولاء" للأئمة الحسينيين، شرطا للهدى والتقوى والإخلاص، واتهام من لا يؤمن بولايتهم بالضلال والشرك ، ورسم صورة سلبية "لأعداء" أئمة أهل البيت وشيعتهم، وخصومهم.[1] ونسب الإماميون إلى الصادق حديثا يعرِّف الإسلام والإيمان، والفرق بينهما، يقول فيه:" الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان فهذا الإسلام، والإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا فان أقرَّ بها ولم يعرف هذا الأمر كان مسلما وكان ضالا".[2]  ورووا عنه حديثا يقول فيه:" لكل شئ أساس ؛ وأساس الإسلام حبنا أهل البيت". [3]

وروى الإمامية عن الباقر والصادق روايات عديدة عن النبي الأكرم باعتبار من يحب عليا ويعرفه ويطيعه ويدخل بابه: مؤمنا، ومن يرفضه أو يجهله أو يحاربه: كافرا.[4] ونسبوا إلى الصادق اعتباره كل من نصب شيئا (أو شخصا) دون أهل البيت فهو ممن يعبد الله على حرف.[5] وأنه قال:" أُمِرَ الناس بمعرفتنا والرد إلينا والتسليم لنا. وإن صاموا وصلوا وشهدوا أن لا إله إلا الله وجعلوا في أنفسهم أن لا يردوا إلينا كانوا بذلك مشركين". [6]  

   وانطلاقا من اعتبار الولاء لأهل البيت إيمانا، ومخالفتهم كفرا، فقد اتخذ الفكر "الإمامي" موقفا سلبيا من الصحابة الذين لم يتبعوا عليا بعد وفاة رسول الله (ص) مباشرة، ونقل الكليني عن أبي جعفر أنه قال:" ذهب المهاجرون والأنصار إلا ثلاثة".[7]  أو "كان الناس أهل ردة بعد النبي (ص) إلا ثلاثة .. المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري و سلمان الفارسي رحمة الله وبركاته عليهم ثم عرف أناس بعد يسير.  هؤلاء الذين دارت عليهم الرحى وأبوا أن يبايعوا حتى جاءوا بأمير المؤمنين مكرها فبايع".[8]  وروى الكليني عن أبي عبد الله أنه قال:" من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر". [9] وأنه قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إماما من الله، ومن زعم أن لهما في الإسلام نصيبا". [10]  وأنه اعتبر من ينكر أحد الأئمة كمن أنكر معرفة الله (تبارك وتعالى) ومعرفة رسول الله (ص).[11]  

  ويدعي الحارث بن المغيرة أنه  سمع عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله، فلم يزل يسائله حتى قال: فهلك الناس إذاً، قال: إي والله يا ابن أعين فهلك الناس أجمعون قلت: من في المشرق ومن في المغرب؟ قال: إنها فتحت بضلال، إي والله لهلكوا إلا ثلاثة. [12] 

   ومن هنا اعتبر الإماميون عدم بيعة الصحابة للإمام علي مباشرة بعد النبي (ص) نوعا من الردة. [13]  وزعم أبو بصير أن الصادق قرأ هذه الآية هكذا : " فستعلمون من هو في ضلال مبين، يا معشر المكذبين حيث أنبأتكم رسالة ربي في ولاية علي (ع) و الأئمة (ع) من بعده، من هو في ضلال مبين". وقال: كذا أنزلت.[14] 

  وروى الإمامية عن الباقر أنه قال:" كل من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول، وهو ضال متحير والله شانئ لأعماله، ومثله كمثل شاة ضلت عن راعيها وقطيعها... ومن أصبح من هذه الأمة لا إمام له من الله عز وجل ظاهرا عادلا أصبح ضالا تائها وإن مات على هذه الحال مات ميتة كفر ونفاق، وإن أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله، قد ضلوا وأضلوا، فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شئ ذلك هو الضلال البعيد". [15] 

  كما رووا عن الصادق أنه قال :" إن الله لا يستحيي أن يعذب أمة دانت بإمام ليس من الله وإن كانت في أعمالها برة تقية، وإن الله ليستحيي أن يعذب أمة دانت بإمام من الله وإن كانت في أعمالها ظالمة مسيئة". [16]  ونقل الكليني عن عبد الله بن أبي يعفور أنه قال للصادق: إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلانا وفلانا، لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم، ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء والصدق؟ فاستوى أبوعبدالله جالسا وأقبل عليه كالغضبان، ثم قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله، فتعجب ابن أبي يعفور قائلا: لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء؟! قال: نعم لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء، ثم قال: ألا تسمع لقول الله عز وجل: " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور" يعني من ظلمات الذنوب إلى نور التوبة والمغفرة لولايتهم كل إمام عادل من الله، وقال: " والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات " إنما عنى بهذا أنهم كانوا على نور الإسلام فلما أن تولوا كل إمام جائر ليس من الله عز وجل خرجوا بولايتهم إياه من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر، فأوجب الله لهم النار من الكفار، ف‍ـ " أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ".[17] 

   ويتحدث الإمامية عن تشكيك بعض الشيعة كفضيل بن يسار بحديث "من مات وليس عليه إمام فميتته ميتة جاهلية" المنسوب إلى الرسول الأعظم (ص) وأنه سأل الصادق متعجباً: قال ذلك رسول الله (ص)؟ فقال أبو عبد الله: إي والله قد قال، قال فضيل: فكل من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية؟! قال: نعم.[18] وأن عبد الله ابن أبي يعفور لم يهضم الحديث أيضا فذهب إلى الصادق وسأله عن قول رسول الله (ص):" من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية" هل هي ميتة كفر؟ فقال أبو عبد الله: ميتة ضلال، فأعاد ابن أبي يعفور السؤال بتعجب: فمن مات اليوم وليس له إمام، فميتته ميتة جاهلية؟ فقال: نعم. [19]  وأن الحارث بن المغيرة كذلك حاول التأكد من صحة الحديث الآنف المنسوب إلى رسول الله، فقال لأبي عبد الله :" من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية؟" قال: نعم، قال: جاهلية جهلاء أو جاهلية لا يعرف إمامه؟ قال:"جاهلية كفر ونفاق وضلال". [20] 

وروى المفضل بن عمر (وهو من الغلاة المفوضة) عن أبي عبدالله (الصادق) أنه قال :" من دان الله بغير سماع عن صادق ألزمه الله - البتة - إلى العناء ، ومن ادعى سماعا من غير الباب الذي فتحه الله فهو مشرك، وذلك الباب المأمون على سر الله المكنون". [21]  

   ونسب الإمامية إلى الصادق، حديثا يعتبر فيه أتباع الأنظمة والأحزاب المنافسة لأهل البيت مشركين ، ويقول فيه: " من أشرك مع إمام إمامته من عند الله من ليست إمامته من الله، كان مشركا بالله". [22]  

   اللعن

  وقد طور غلاة الإمامية الموقف السلبي من الخلفاء والحكام "الذين اغتصبوا حق أهل البيت" وأتباعهم، بدء من اعتبارهم كفارا ومشركين، انتهاء إلى إبداء العداوة والبغضاء لهم ولعنهم. فرووا عن أبي جعفر أنه قال:"إن الشيخين (أي أبا بكر وعمر) فارقا الدنيا ولم يتوبا ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". [23]  وزعم الحسين بن ثوير، وأبو سلمة السراج أنهما سمعا أبا عبد الله وهو يلعن في دبر كل مكتوبة أربعة من الرجال وأربعا من النساء فلان وفلان وفلان ومعاوية ويسميهم وفلانة وفلانة وهند وأم الحكم أخت معاوية.[24]

   وروى حنان بن سدير، عن أبيه قال: سألت أبا جعفر عنهما ( عن أبي بكر وعمر) فقال:" يا أبا الفضل ما تسألني عنهما فوالله ما مات منا ميت قط إلا ساخطا عليهما، وما منا اليوم إلا ساخطا عليهما يوصي بذلك الكبير منا الصغير، إنهما ظلمانا حقنا ومنعانا فيئنا وكانا أول من ركب أعناقنا وبثقا علينا بثقا في الإسلام لا يسكر أبدا حتى يقوم قائمنا أو يتكلم متكلمنا. ثم قال: أما والله لو قد قام قائمنا أو تكلم متكلمنا لأبدى من أمورهما ما كان يكتم ولكتم من أمورهما ما كان يظهر، والله ما أسست من بلية ولا قضية تجري علينا أهل البيت إلا هما أسسا أولها فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". [25] 

   وينقل الكليني عدة روايات في لعن صنوف أهل الخلاف من القدرية والخوارج والمرجئة، كما في هذه الرواية عن أبي عبد الله أنه قال:" لعن الله القدرية، لعن الله الخوارج، لعن الله المرجئة، لعن الله المرجئة. فقال الراوي:لعنت هؤلاء مرة مرة ولعنت هؤلاء مرتين؟! قال: إن هؤلاء يقولون: إن قتلتنا مؤمنون فدماؤنا متلطخة بثيابهم إلى يوم القيامة، إن الله حكى عن قوم في كتابه: "لن نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاء كم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين" قال: كان بين القاتلين والقائلين خمسمائة عام فألزمهم الله القتل برضاهم ما فعلوا".[26]  وعن أبي مسروق قال: سألني أبو عبد الله عن أهل البصرة ما هم؟ فقلت: مرجئة وقدرية وحرورية، فقال: لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شئ". [27]

استثناء المستضعفين

   و بعد تصنيفه للناس بين مؤمن وكافر، على أساس الإيمان بولاية أئمة أهل البيت أو الكفر بها، قام  الإمامية، باستثناء شريحة من الناس أطلق عليهم "المستضعفون" وهم الناس البسطاء العاديون الذين يجهلون الخلافات السياسية الدينية، ولا يتخذون موقفا سلبيا من أهل البيت، ولا موقفا إيجابيا فاعلا من خصومهم. وقال عمر ابن أبان : سألت أبا عبد الله، عن المستضعفين فقال:" هم أهل الولاية، فقلت أي ولاية؟ فقال: أما إنها ليس بالولاية في الدين ولكنها الولاية في المناكحة والموارثة والمخالطة وهم ليسوا بالمؤمنين ولا بالكفار ومنهم المرجَون لأمر الله عز وجل". [28]

    ويقول زرارة : دخلت أنا وحمران أو أنا وبكير على أبي جعفر، فقلت له: إنا نمد المطمار. قال: وما المطمار؟ قلت: التُرّ [29] فمن وافقنا من علوي أو غيره توليناه ومن خالفنا من علوي أو غيره برئنا منه، فقال لي:" يا زرارة قول الله أصدق من قولك، فأين الذين قال الله عز وجل: " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا " أين المرجون لأمر الله؟ أين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا؟ أين أصحاب الأعراف؟ أين المؤلفة قلوبهم؟!".[30]

  ويبدو من خلال هذه الرواية أن "الإمامية" كانوا يتطرفون في التعامل مع المخالفين بعيدا عن موقف أئمة أهل البيت، كما يبدو من بعض الروايات الأخرى أنهم كانوا يختلفون في تكفير العامة من الناس، وتحديد المستضعفين، حيث كان بعضهم يتطرف في تكفير "كل من لم يعرف هذا الأمر" بينما كان بعضهم يحافظ على اعتداله بعدم تكفير المخالف إلا إذا جحد وعاند.[31]

 

2-  المقاطعة السياسية

  وقد أدى تكفير أئمة المخالفين، وأتباعهم، ولعنهم والحكم بضلالهم، إلى موقف سلبي آخر، هو الفصل الاجتماعي والسياسي بين الشيعة "الإمامية" وغيرهم من المسلمين المخالفين، حيث قام "الإمامية" برواية رسالة خاصة زعموا أن الصادق وجهها للشيعة وقال فيها:"أحبوا في الله من وصف صفتكم وأبغضوا في الله من خالفكم وابذلوا مودتكم ونصيحتكم لمن وصف صفتكم ولا تبتذلوها لمن رغب عن صفتكم وعاداكم عليها وبغى لكم الغوائل".[32]  وأنه قال:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس مجلسا ينتقص فيه إمام أو يعاب فيه مؤمن". [33] وقال:" إذا ابتليت بأهل النصب ومجالستهم فكن كأنك على الرضف (الحجارة الساخنة)حتى تقوم فإن الله يمقتهم ويلعنهم فإذا رأيتهم يخوضون في ذكر إمام من الأئمة فقم فإن سخط الله ينزل هناك عليهم. [34] 

   وكان من الطبيعي بعد ذلك أن يدعو الفكر الإمامي إلى مقاطعة الأنظمة الحاكمة، وأن يروي عن الباقر النهي عن الدخول في أعمال الحكام المخالفين:" ولا مَدة قلم. إن أحدهم لا يصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينه مثله". [35] وأن يفسر الصادق قول الله عز وجل: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار" بقوله: هو الرجل يأتي السلطان فيحب بقاءه إلى أن يدخل يده إلى كيسه فيعطيه.[36]  ويحذر أصحابه قائلا:"اتقوا الله وصونوا دينكم بالورع وقووه بالتقية والاستغناء بالله عز وجل إنه من خضع لصاحب سلطان ولمن يخالفه على دينه طلبا لما في يديه من دنياه أخمله الله عز وجل ومقته عليه ووكله إليه، فإن هو غلب على شئ من دنياه فصار إليه منه شئ نزع الله عز وجل اسمه البركة منه ولم يأجره على شئ ينفقه في حج ولا عتق ولا بر". [37] وأن ينهى فضيل بن عياض عن التكسب مع الحكام، ويقول له :" والله لضرر هؤلاء على هذه الأمة أشد من ضرر الترك والديلم" ويبين له صفة الورِع من الناس ويقول:" الذي يتورع عن محارم الله عز وجل، ويجتب هؤلاء، وإذا لم يتق الشبهات وقع في الحرام وهو لا يعرفه، وإذا رأى المنكر فلم ينكره وهو يقدر عليه فقد أحب أن يعصى الله عز وجل ومن أحب يعصى الله فقد بارز الله عز وجل بالعداوة، ومن أحب بقاء الظالمين فقد أحب أن يعصى الله إن الله تعالى حمد نفسه على هلاك الظالمين فقال: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ".[38]

   وعندما قال للصادق رجل من أصحابه: أصلحك الله إنه ربما أصاب الرجل منا الضيق أو الشدة فيدعا إلى البناء يبنيه أو النهر يكريه أو المسناة يصلحها فما تقول في ذلك؟ قال أبو عبد الله :" ما أحب أني عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء، وإن لي ما بين لابتيها، لا ولا مدة بقلم، إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد".[39]  

  وسمع الصادق ذات يوم أن المنصور قد حبس مجموعة من الشيعة، فسأل عن السبب قائلا: ما لهم وما له؟ فقيل له: استعملهم فحبسهم، فقال أبو عبد الله: ألم أنههم؟!.. ألم أنههم؟!.. ألم أنههم؟!.. هم النار، هم النار، هم النار. [40]

  وقد ذكر عند أبي عبد الله، رجل من هذه العصابة (الشيعة) قد ولى ولاية، فقال: كيف صنيعته إلى إخوانه؟ فقيل: ليس عنده خير، فقال: أف.. يدخلون فيما لا ينبغي لهم ولا يصنعون إلى إخوانهم خيرا. [41]

 ويقول زياد ابن أبي سلمة : دخلت على أبي الحسن موسى (بن جعفر) فقال لي: يا زياد إنك لتعمل عمل السلطان؟ قال: قلت: أجل، قال لي: ولم؟ قلت: أنا رجل لي مروة وعلي عيال و ليس وراء ظهري شئ فقال لي: يا زياد لئن أسقط من جالق (اسم جبل) فأتقطع قطعة قطعة أحب إلي من أن أتولى لأحد منهم عملا أو أطأ بساط أحدهم.. إلا لماذا؟ قلت: لا أدري جعلت فداك، فقال: إلا لتفريج كربة عن مؤمن أو فك أسره أو قضاء دينه، يا زياد إن أهون ما يصنع الله بمن تولى لهم عملا أن يضرب عليه سرادق من نار إلى أن يفرغ الله من حساب الخلائق، يا زياد فإن وليت شيئا من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك فواحدة بواحدة والله من وراء ذلك. يا زياد أيما رجل منكم تولى لأحد منهم عملا ثم ساوى بينكم وبينهم فقولوا له: أنت منتحل (للتشيع) كذاب، يا زياد إذا ذكرت مقدرتك على الناس فاذكر مقدرة الله عليك غداً ونفاد ما أتيت إليهم عنهم، وبقاء ما أتيت إليهم عليك. [42]

وعن علي بن يقطين قال: قلت لأبي الحسن: ما تقول في أعمال هؤلاء؟ قال: إن كنت لا بد فاعلا فاتقِ أموال الشيعة،  فكان ابن يقطين يجبيها من الشيعة علانية ويردها عليهم في السر. [43]

 

3 - المقاطعة الاجتماعية

  وإذا كانت مقاطعة الظالمين مفهومة ومعروفة عن أئمة أهل البيت ، فإن الإمامية رووا عنهم روايات أخرى تأمر بمقاطعة المخالفين اجتماعيا، ونقلوا عن أبي عبد الله أنه حذر من مجالسة أهل المعاصي والبدع، فقال:" لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم، قال رسول الله (ص): المرء على دين خليله وقرينه".[44] وأنه روى عن رسول الله (ص) أنه قال:" : إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراء‌ة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة". [45]

  وروى الكليني أحاديث تأمر بمقاطعة المخالفين، وقال في رواية: إن قوما من أهل خراسان من وراء النهر أتوا أبا عبد الله فقال لهم: تصافحون أهل بلادكم وتناكحونهم؟ أما إنكم إذا صافحتموهم انقطعت عروة من عرى الإسلام وإذا ناكحتموهم انهتك الحجاب بينكم وبين الله عز وجل. [46]

  وزعم الإمامية أن أبا عبد الله كره سؤر ولد الزنا وسؤر اليهودي والنصراني والمشرك وكل ما خالف الإسلام وكان أشد ذلك عنده سؤر الناصب. [47] وأنه قال:" لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام فإن فيها غسالة ولد الزنا وهو لا يطهر إلى سبعة آباء، وفيها غسالة الناصب وهو شرهما، إن الله لم يخلق خلقا شرا من الكلب وإن الناصب أهون على الله من الكلب". [48]

ونتيجة لقرار الإمامية مقاطعة المخالفين اجتماعيا فقد قاموا بمقاطعتهم  في الصلوات والعبادات، وتحريم صلاة الجماعة خلفهم الا للتقية. [49]

  وقد أدى موقف المقاطعة الاجتماعية ببعض الإمامية إلى تحريم الزواج بين الطرفين. خلافا لموقف أهل البيت، كما يبدو من موقف زرارة بن أعين الذي ابتدأ أو ابتدع هذا الموقف السلبي في أيام الباقر بالرغم من محاولة الإمام التخفيف منه. [50] وكذلك بالرغم من رأي الإمام الصادق الذي قال له:" أما إنك إن كبرت رجعت وتحللت عنك عقدك". [51]

  وفي محاولة من زرارة لتأييد موقفه الرافض من التزاوج مع غير الشيعة، روى حديثا عن أبي عبد الله في تزويج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من عمر بن الخطاب، أنه قال : "إن ذلك فرجٌ غُصبناه".[52]  حيث كان تفسير زواج أم كلثوم من عمر، وتبريره بالاغتصاب والإكراه، ضروريا لتمرير موقف المقاطعة الاجتماعية وتحريم الزواج من المخالفين عند الإمامية في ذلك الوقت، وهكذا نسب الإمامية المتطرفون مجموعة روايات إلى الصادق بهذا المضمون، فزعموا أنه قال: "لا يتزوج المؤمن الناصبة المعروفة بذلك". [53]  وقال:" لا يزوج المؤمن الناصبة ولا يتزوج الناصب المؤمنة ولا يتزوج المستضعف مؤمنه". [54] وأنه قال  لأبي بصير، وزرارة :" تزوجوا في الشكاك ولا تزوجوهم لأن المرأة تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه".[55]

  وعن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله: إن لامرأتي أختا عارفة على رأينا وليس على رأينا بالبصرة إلا قليل فأزوجها ممن لا يرى رأيها؟ قال: لا ولا نعمة ولا كرامة.. إن الله عز وجل يقول: "فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ". [56]

   وذهب الإمامية، حسب بعض الروايات، إلى تفضيل زواج اليهودية والنصرانية على الناصبية، كما عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله قال: سأله أبي وأنا أسمع عن نكاح اليهودية والنصرانية فقال: "نكاحهما أحب إلي من نكاح الناصبية، وما أحب للرجل المسلم أن يتزوج اليهودية ولا النصرانية مخافة أن يتهود ولده أو يتنصر". [57]  وأنه قال:" تزوج اليهودية والنصرانية أفضل - أو قال: خير - من تزوج الناصب والناصبية". [58]

    وامتدت المقاطعة الاجتماعية من الحياة إلى الوفاة، فنقل الإمامية عن الصادق أنه رفض الصلاة على جنائز المخالفين، وإذا ما اضطر أحد إلى الصلاة عليهم فان عليه أن يلعنهم بدل الترحم عليهم.[59]  ورووا عنه أنه قال: إذا صليت على عدو الله فقل: " اللهم إن فلانا لا نعلم منه إلا أنه عدو لك ولرسولك، اللهم فاحشِ قبره ناراً واحشِ جوفه ناراً وعجل به إلى النار فإنه كان يتولى أعداءك ويعادي أولياءك ويبغض أهل بيت نبيك، اللهم ضيق عليه قبره " فإذا رُفع فقل: " اللهم لا ترفعه ولا تزكه".[60] وروى محمد بن مسلم عن الصادق أنه قال: إن كان جاحدا للحق فقل: "اللهم املأ جوفه ناراً وقبره ناراً وسلط عليه الحيات والعقارب". [61]  وفي رواية أخرى عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: تقول : " اللهم اخزِ عبدك في عبادك وبلادك، اللهم أصله نارك وأذقه أشد عذابك فإنه كان يعادي أولياءك ويوالي أعداءك ويبغض أهل بيت نبيك (ص). [62]

4 - المقاطعة الاقتصادية

 

وإلى جانب المقاطعة السياسية والثقافية والاجتماعية، نقل الإمامية أحاديث عن أئمة المذهب  بوجوب مقاطعة الشيعة لمخالفيهم اقتصاديا، وخصوصا في موضوع الزكاة. وقد نقلنا تلك الروايات في فصل الفقه الإمامي. وقد زعموا بتحريم "الأئمة" لدفع الزكاة للفقراء المخالفين. [63]  ونقل الزكاة من بلد إلى آخر، إن لم يوجد "عارف" في البلد الأول.[64] ووجوب إعادة إخراج الزكاة مرة ثانية إن تم وضعها في غير موضعها.[65]

 

5 – الانطواء : تعزيز العلاقات الشيعية الداخلية

 

  ونتيجة للانفصال الذي أحدثته نظرية "الإمامة الإلهية" بين الإمامية ومحيطهم الإسلامي العام، أدرك الإماميون مبكراً أهمية تعزيز العلاقات الداخلية، فنقلوا عن الباقر قوله لأحد أصحابه:" يا خثيمة أبلغ من ترى من موالينا السلام وأوصهم بتقوى الله العظيم وأن يعود غنيهم على فقيرهم وقويهم على ضعيفهم، وأن يشهد حيهم جنازة ميتهم، وأن يتلاقوا في بيوتهم، فإن لقيا بعضهم بعضا حياة لأمرنا، رحم الله عبدا أحيا أمرنا".[66] ورووا أن الإمام  سأل شيعيا آخر قائلا: أ تخلون وتتحدثون وتقولون ما شئتم؟ فقال: إي والله إنا لنخلو ونتحدث ونقول ما شئنا، فقال: أما والله لوددت أني معكم في بعض تلك المواطن، أما والله إني لأحب ريحكم وأرواحكم ؛ وإنكم على دين الله ودين ملائكته فأعينوا بورع واجتهاد". [67]

  ونقلوا عن أبي عبد الله أنه أوصى الشيعة بالتزاور والمحادثة والتبري والتولي.[68]  وأنه قال:" إن لله ملائكة سياحين، سوى الكرام الكاتبين، فإذا مروا بقوم يذكرون محمدا وآل محمد قالوا: قفوا فقد أصبتم حاجتكم، فيجلسون، فيتفقهون معهم فإذا قاموا عادوا مرضاهم وشهدوا جنائزهم وتعاهدوا غائبهم، فذلك المجلس الذي لا يشقى به جليس". [69]

  وقد لعبت هذه الأحاديث والوصايا بمقاطعة المخالفين عباديا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا ونفسيا، وتعزيز العلاقات الداخلية الشيعية، دورا كبيرا في تشييد الكيان الطائفي الخاص للشيعة، وفرض جدار من العزلة حولهم، وتحويلهم من طليعة سياسية تناضل من أجل مصالح الأمة العامة في الحرية والعدالة والشورى، الى مجموعة خاصة منطوية على نفسها وتتبادل العداوة والبغضاء مع الآخرين.

 

 

 

 

 

 

 

 



[1]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب أدنى ما يكون فيه العبد مؤمنا أو كافرا، ح رقم 1

[2]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر ، باب أن  الإسلام يحقن به الدم، ح رقم 4 و كتاب الحجة، باب معرفة الإمام والرد إليه، ح رقم 6

[3]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر ، باب نسبة الإسلام، ح رقم 2  و 3

[4]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب المؤمن وعلاماته وصفاته، ح رقم 27، و باب الكفر 16 و 17 و 18 و 20 و كتاب الروضة، ح رقم 353

[5]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب الشرك، ح رقم 4

[6]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب الشرك، ح رقم 5

[7]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب في قلة عدد المؤمنين، ح رقم 6   

[8]  - الكليني، الكافي، كتاب الروضة، ح رقم 341

[9]  - الكليني، الكافي، كتاب الحجة، باب أنه من ادعى الإمامة وليس لها بأهل، ح رقم 2

[10]  - الكليني، الكافي، كتاب الحجة، باب أنه من ادعى الإمامة وليس لها بأهل، ح رقم 4 و ح رقم 12

[11]  - الكليني، الكافي، كتاب الحجة، باب معرفة الإمام والرد إليه، ح رقم 5

[12]  - الكليني، الكافي، كتاب الروضة، ح رقم  356

[13]  - الكافي، كتاب الحجة، باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية، ح رقم 42  و 43

[14]  - الكافي، كتاب الحجة، باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية، ح رقم 45

[15]  - الكليني، الكافي، كتاب الحجة، باب فيمن دان الله بغير إمام من الله، ح رقم 2

[16]  - الكليني، الكافي، كتاب الحجة، باب فيمن دان الله بغير إمام من الله، ح رقم 5

[17]  - الكليني، الكافي، كتاب الحجة، باب فيمن دان الله بغير إمام من الله، ح رقم 3

[18]  - الكليني، الكافي، كتاب الحجة، باب من مات وليس له إمام من أئمة الهدى، ح رقم 1

[19]  - الكليني، الكافي، كتاب الحجة، باب من مات وليس له إمام من أئمة الهدى، ح رقم 2

[20]  - الكليني، الكافي، كتاب الحجة، باب من مات وليس له إمام من أئمة الهدى، ح رقم 3

[21]  - الكليني، الكافي، كتاب الحجة، باب من مات وليس له إمام من أئمة الهدى، ح رقم 4

[22]  - الكليني، الكافي، كتاب الحجة، باب أنه من ادعى الإمامة وليس لها بأهل، ح رقم 6

[23]  - الكليني، الكافي، كتاب الروضة، ح رقم 343

[24]  - الكليني، الكافي، ح رقم 5144 - 10

[25]  - الكليني، الكافي، كتاب الروضة، ح رقم 340

[26]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب في صنوف أهل الخلاف، ح رقم 1

[27]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب في صنوف أهل الخلاف، ح رقم 2

[28]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب المستضعف، ح رقم 5 و 6

[29]  - المطمار بالمهملتين خيط للبناء يقدر به وكذا الترّ ، بضم المثناة الفوقية والراء المشددة يعني إنا نضع ميزانا لتولينا الناس وبراءتنا منهم وهو ما نحن عليه من التشيع فمن استقام معنا عليه فهو ممن توليناه ومن مال عنه وعدل فنحن منه براء، كائنا من كان .

[30]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب أصناف الناس، ح رقم 3

[31]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب الضلال، ح رقم 1

[32]  - الكليني، الكافي، كتاب الروضة، رسالة الإمام الصادق، حديث رقم 1

[33]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب مجالسة أهل المعاصي، ح رقم 8 و 9 و 12 و  15

[34]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب مجالسة أهل المعاصي، ح رقم 13

[35]  - الكليني، الكافي، ح رقم 8531 - 5

[36]  - الكليني، الكافي، ح رقم 8538 - 12

[37]  - الكليني، الكافي، ح رقم 8529 – 3

[38]  - الكليني، الكافي، ح رقم 8537 - 11

[39]  - الكليني، الكافي، ح رقم 8533 - 7

[40]  - الكليني، الكافي، ح رقم 8534 - 8

[41]  - الكليني، الكافي، ح رقم 8544 – 2 و ح رقم 8541 - 14

[42]  - الكليني، الكافي، ح رقم  8543 - 1

[43]  - الكليني، الكافي، ح رقم 8545 – 3 و ح رقم 8546 - 4

[44]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب مجالسة أهل المعاصي، ح رقم 3

[45]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب مجالسة أهل المعاصي، ح رقم 2 و 4 و كتاب الروضة، ح رقم 314

[46]  - الكليني، الكافي، ح رقم 9561 - 17

[47]  - الكليني، الكافي، ح رقم 3866 - 6

[48]  - الكليني، الكافي، ح رقم 3881 - 1

[49]  - الكليني، الكافي، ح رقم 5276 – 2 و ح رقم 5281 – 7 و ح رقم 5278 - 4

[50]  - الكليني، الكافي، ح رقم 9556 - 12

[51]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب الضلال، ح رقم 2 و ح رقم 9546 - 2

[52]  - الكليني، الكافي، ح رقم 9536 – 1 و ح رقم 9537 - 2

[53]  - الكليني، الكافي، ح رقم 9547 - 3

[54]  - الكليني، الكافي، ح رقم 2 955 – 8 و ح رقم 9548 - 4

[55]  - الكليني، الكافي، ح رقم 9545 – 1 و ح رقم 9 954 - 5

[56]  - الكليني، الكافي، ح رقم 9550 - 6

[57]  - الكليني، الكافي، ح رقم 9559 - 15

[58]  - الكليني، الكافي، ح رقم 9560 - 16

[59]  - الكليني، الكافي، ح رقم 4540 – 1 و ح رقم 4541 - 2

[60]  - الكليني، الكافي، ح رقم 4543 - 4

[61]  - الكليني، الكافي، ح رقم 4544 – 5 و ح رقم 4546 – 7 

[62]  - الكليني، الكافي، ح رقم 4545 - 6

[63]  - الكليني، الكافي، ح رقم 5928 – 6 و ح رقم 5744 - 1

[64]  - الكليني، الكافي، ح رقم 5970 - 11

[65]  - الكليني، الكافي، ح رقم 5924 - 2

[66]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب زيارة الإخوان، ح رقم 2

[67]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب تذاكر الإخوان، ح رقم 5

[68]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب تذاكر الإخوان، ح رقم 2 و كتاب الروضة، ح رقم 292

[69]  - الكليني، الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب تذاكر الإخوان، ح رقم 3 و 4 و 6