التشيع السياسي

والتشيع "الديني"

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

 

  يقوم مشروع النهضة الإسلامية على عدة أركان هي الوحدة والعدالة والحرية والمشاركة السياسية، ويصارع المسلمون منذ عقود على طريق التقدم نحو تلك الأهداف السامية، وقد نجحوا مؤخرا في إنجاز بعض ما طمحوا إليه، ولكنهم لا يزالون يعانون كثيرا من الإخفاق في بناء أنظمة سياسية عادلة ديموقراطية أو إقامة وحدة إسلامية متينة واسعة، وربما يعود جزء من سبب إخفاقهم في تحقيق مشروعهم الحضاري إلى تراثهم الفكري السياسي المشحون بعوامل الاستبداد والصراع الداخلي والأحقاد والبغضاء والتصورات السلبية عن بعضهم البعض، وأخص بالذكر الشيعة والسنة الذين يحمل كل منهم نظريات سياسية استبدادية لا علاقة لها بالإسلام، وينظر كل منهم إلى الآخر نظرة مشوهة تقوم على أساس التقاط بعض الأفكار والنصوص والمواقف والأحداث الجزئية وتعميمها على الجميع، واستخدام ذلك أداة في القمع والظلم والإقصاء والصراع.

   وتشكل نظرية "الإمامة الإلهية لأهل البيت" التي قال بها فريق من الشيعة في التاريخ، مادة خصبة أو وقودا لا ينضب في أتون التفرقة بين المسلمين، فمن جهة يعتقد "الإمامية" أن تلك النظرية من صلب الإسلام والتشيع، وضرورة من ضرورات الدين، ويصعب عليهم بالتالي التخلي عنها. ومن جهة أخرى يستنكر المسلمون "السنةُ" تلك النظرية وتوابعها كالموقف السلبي من الصحابة والشيخين أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) وهذا ما يؤدي إلى استمرار التشنج والخلاف بين الطرفين، وربما انقسامهم إلى "فسطاطين" متعاديين، كما يحلو للبعض أن يصور الموضوع، ويأمل ويعمل من أجل إدامة شعلة الخلاف بين المسلمين.

  وأملا بتوحيد المسلمين وتحريرهم من الظلم والاستبداد، وحل الخلاف التاريخي بين السنة والشيعة، نرى ضرورة طرح مجموعة أسئلة: هل تشكل نظرية "الإمامة" صلب الإسلام والتشيع حقا؟ وهل كان يؤمن بها جميع الشيعة قديما وحديثا؟ وهل يمكن أن يتفق المسلمون جميعا على فكر سياسي بديل وجديد؟ وهل يجب أن يحافظ السنة والشيعة على هوياتهم الطائفية إلى يوم القيامة؟ وهل تقوم خلافاتهم الفكرية على أساس الدين؟ أم على أساس المصالح والنظريات السياسية؟ وأساسا هل ولد الشيعة في التاريخ ليكونوا طائفة في مقابل السنة؟ أو طائفة منغلقة تستهدف السنة؟ أم كانوا حزبا سياسيا طليعيا يعمل من أجل تحرير الأمة الإسلامية وتحقيق العدالة والخير لها؟

  إن الإجابة على الأسئلة الآنفة تتوقف على قراءة تاريخ التشيع عبر مراحله المختلفة وإلقاء نظرة شاملة عليه. فقد ظهر التشيع على يدي الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مواجهة خصومه في الفتنة الكبرى. ويومها لم يكن التشيع يحمل أي تمايز ديني في العقيدة أو الصلاة والصوم وسائر العبادات، بقدر ما كان يحمل رؤية خاصة في تفسير الدين بالعدل والمساواة واحترام كلمة الأمة، ورفض الاستيلاء على أمورها بالقوة والإكراه. وبهذا المعنى فقد كان "التشيع العلوي" هو طابع الأمة الإسلامية كلها، في مقابل شرذمة متمردة صغيرة كانت تحاول اتخاذ مال الله دولا وعباد الله خولا، وهو ما عبر عنه الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) في ثورته على يزيد بن معاوية سنة 61 هـ عندما دعا أهل العراق لنصرته من أجل الإصلاح في أمة جده كلها، ولم يخرج من أجل تحقيق مآرب شيعية خاصة.

  لقد حدث أول شقاق بين المسلمين، ليس بن الشيعة والسنة، وإنما بين الجماهير المسلمة والحكام الذين استولوا على السلطة بالقوة، وتفجر الشقاق بين الطرفين في عدة ثورات شعبية هنا وهناك في القرن الأول الهجري. وكان الانشقاق أقرب إلى التقسيم السياسي الحديث الذي يقسم الأحزاب إلى يمين ويسار، كما تنبه إلى ذلك الكاتب المصري أحمد عباس صالح في كتابه :"اليمين واليسار في الإسلام" والذي وضع الشيعة في خانة "اليسار" في مقابل خصومهم من الأثرياء والمستبدين: أهل "اليمين".

  ثم حدث خلاف آخر في وقت متأخر بين صفوف الشيعة أنفسهم بين من يتمسك بـ "التشيع السياسي" المعروف في عهد الإمام علي والحسين، القائم على مبدأ العدل والشورى والثورة، وبين من أخذ يؤمن بـ "التشيع الديني" الذي يحصر الخلافة في "الأئمة من أبناء علي والحسين، ويعتقد بعصمتهم وبارتباطهم بالسماء، حسب نظرية "الإمامة الإلهية" التي رفعها أصحابها إلى مستوى العقيدة الدينية، وغلفوها بالنصوص والتأويلات والقصص التاريخية. ثم انقسم "الإمامية" إلى فرق عديدة، كان على رأسها الفريقان الرئيسيان: "الإسماعيلية" و"الموسوية" المنسوبان إلى ابني الإمام جعفر الصادق: إسماعيل وموسى، حيث واصلت الفرقة الإسماعيلية طريقها في الحياة ونجحت في إقامة دولة استمرت عدة قرون (من أواخر القرن الثالث الهجري إلى أواسط القرن السادس) هي الدولة الفاطمية، ثم دخل أئمتها بعد انهيارها في مرحلة الستر والكتمان، وانشقت إلى عدة فرق. بينما وصلت "الموسوية" إلى طريق مسدود في منتصف القرن الثالث الهجري بوفاة الإمام الحسن العسكري دون خلف ظاهر تستمر الإمامة فيه وفي ذريته، رغم اعتقاد بعض الشيعة بوجود ولد مخفي له هو "الإمام الثاني عشر محمد المهدي المنتظر". وذلك لعدم ظهوره على مسرح الحياة ليقود الشيعة والمسلمين ويؤسس الدولة الإسلامية المفترضة، واضطرار الشيعة الذين يؤمنون بوجوده للبحث عن أئمة عاديين يقودونهم ولا يتصفون بالعصمة ولا بالنص ولا ينتمون بالضرورة إلى السلالة العلوية الحسينية.

  وكان يفترض بنظرية "الإمامة الإلهية" – على الأقل لدى الفرقة الموسوية - أن تُطوى مع التاريخ، لولا أنها تحولت من نظرية سياسية مؤقتة إلى "عقيدة دينية" ملحقة بالإسلام. وأصبح الإيمان بالأئمة "الاثني عشر" لدى "الإمامية" جزءا متمما للإيمان بالله والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

 

  وكنت أنا شخصيا قد ولدت ونشأت على الإيمان بتلك العقيدة، وأصبحت من الدعاة إليها، ولكني قمت بعد حين بمراجعة تلك العقيدة بالصدفة في عام 1990 وذلك أثناء بحثي عن نظرية "ولاية الفقيه" وأصولها التاريخية، فعثرت على نصوص قديمة من مشايخ الطائفة الاثني عشرية، تصرح بعدم وجود أدلة علمية تاريخية قاطعة على ولادة "الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري" وأن الاعتقاد بولادته ووجوده يقوم على افتراضات كلامية "عقلية". فدفعني ذلك إلى دراسة نظرية "الإمامة الإلهية" من جديد لأكتشف أنها لم تكن نظرية أهل البيت السياسية، وإنما كانت من صنع المتكلمين والغلاة، الذين يلتفون حول "الأئمة".

 

  وكتبت بحثي ونشرته عام 1997م تحت عنوان "تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه" وركزت فيه على بحث موضوع "ولادة الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري" ولم أركز كثيرا على بحث ونقض نظرية "الإمامة الإلهية" نظراً لما كنت أحسبه من كفاية بحث مسألة ولادة "الإمام الثاني عشر" وإثبات عدم وجوده، وعدم الحاجة بعد ذلك لتكلف البحث لإثبات بطلان نظرية تاريخية منقرضة ولا وجود لها اليوم. ولكني رأيت بعد ذلك كثيرا ممن رد على كتابي يتشبث بنظرية "الإمامة الإلهية لأهل البيت"، ويستعين بها كدليل من أجل إثبات فرضية "وجود" الإمام الثاني عشر (المهدي المنتظر الغائب منذ أواسط القرن الثالث الهجري) والمحافظة على "عقيدته" من الانهيار. ولذلك وجدت من الضروري التوسع في بحث موضوع "الإمامة الإلهية" بصورة مستقلة وموسعة، ودراسة علاقتها بأئمة أهل البيت (وخصوصا الباقر والصادق) ومدى التزام عامة الشيعة بها عبر التاريخ، وموقف الشيعة منها اليوم، والآثار السلبية لتلك النظرية على تطور الشيعة السياسي وعلاقتهم بالآخرين.

 

   وقمت في هذا الكتاب باستعراض الفكر السياسي الشيعي المبكر في عهد الإمام علي بن أبي طالب، وفي القرن الأول الهجري، ثم تطرقت إلى نشوء "التشيع الديني" ممثلا بنظرية "الإمامة الإلهية لأهل البيت". واستعرضت أهم أدلتها، وتفاصيلها، ثم قمت بمقارنتها بما سبق من نظريات شيعية لأتأكد من كونها نظرية قديمة وأصيلة قادمة من زمن الرسول (ص) والإمام علي؟ أم حادثة ومولودة في القرن الثاني الهجري، واستعرض ردود الفعل عليها وتفاعل الشيعة معها، وموقف أهل البيت منها، ودور الغلاة في صناعتها والترويج لها. كما تحدثت بعد ذلك عن "الاثني عشرية" وآثارها السلبية على الشيعة عبر ألف عام، ثم انتقلت إلى الفكر الشيعي الحديث والمعاصر الذي يحاول الخروج من عنق "الإمامة" والإنجازات التي حققها في هذا الطريق، والمهام المتبقية له للتحرر من تلك النظرية، وبناء فكر سياسي جديد أكثر ديموقراطية وعدالة وقدرة على توحيد المسلمين.

  وقمت في بحثي هذا بالاعتماد بدرجة رئيسية على أهم مصدر شيعي إمامي اثني عشري، وهو كتاب "الكافي" الذي جمعه محمد بن يعقوب الكليني في بداية القرن الرابع الهجري، والذي يضم أهم الأحاديث المروية عن الإمامين الباقر والصادق، وبقية الأئمة الاثني عشر، وكذلك كتاب "بصائر الدرجات" لمحمد بن الحسن الصفار، وبعض المصادر الشيعية الأخرى التاريخية والرجالية والكلامية. ورغم معرفتي بعدم صحة معظم أحاديث "الكافي" – كما يقول الشيعة الإمامية المتأخرون وخاصة الأصوليون – إلا أني فضلت الاستشهاد بكل ما جاء فيه من أحاديث، بغض النظر عن صحتها من ناحية السند، من أجل تكوين صورة تاريخية تقريبية عن نظرية "الإمامة الإلهية" كما وردت في أصح المصادر الإمامية القديمة، والتي كانت معتبرة وصحيحة بنظر الكليني والشيعة "الإمامية" في ذلك الوقت، رغم مراجعة الشيعة فيما بعد لتلك الأحاديث والتبرؤ من الكثير منها، والحكم على رواتها بالضعف والغلو. وربما اعتبرت نفسي أقسى من علماء الرجال الشيعة في الحكم على تلك الروايات، إذ أني لم أعترف بصحة أية رواية في "الكافي"، حتى تلك الروايات التي يعدها الإمامية المتأخرون "صحيحة" والتي يبلغ عددها حوالي ألفي رواية من ستة عشر ألف رواية تضمنها "الكافي". وذلك بسبب الشك بتصحيح الكليني لرواياته أو توثيق رجاله الذين يبدو لي أنهم أقرب إلى الغلاة منهم إلى أئمة أهل البيت، والتشكيك بجميع الروايات التي ينقلها "الإمامية" لتأييد مذهبهم وتشييد نظريتهم. وهو شك منهجي طبيعي وضروري، وقد مارسه الشيخ أبو جعفر الطوسي (شيخ الطائفة الإمامية الاثني عشرية في القرن الخامس الهجري) في نقد المذاهب الشيعية الأخرى في كتاب "الغيبة". إضافة لما قمت به من  تقييمٍ للروايات المنسوبة للأئمة من أهل البيت، على أساس العرض على القرآن الكريم، اتباعاً لمنهج الأئمة أنفسهم، الذين كانوا يدعون إلى عرض أحاديثهم على القرآن، ويطالبون بردها إن تضمنت أفكارا مغالية أو منحرفة.[1] وتوصلت إلى نتيجة تثبت براءة "الأئمة" من نظرية "الإمامة الإلهية" وكونها من تأليف الغلاة والمتكلمين الذين كانوا يلتفون حولهم، وعدم قيامها على أسس شرعية متينة، مما أدى إلى انهيارها بسرعة أمام التحديات ووصولها إلى طريق مسدود وانقراضها.

  ولم أكن في الحقيقة معنيا كثيرا بإثبات بطلان نظرية "الإمامة الإلهية" لأنها – في رأيي –نظرية ميتة لا وجود لها على أرض الواقع، ولا يلتزم بها عمليا معظم الشيعة المعاصرين، ما عدا بعض الأشخاص في دوائر ضيقة وبصورة هلامية، ودون أن يعرفوا معناها جيدا، وإنما بالاسم والشعار فقط، ولم يهمني بحثها كثيراً لولا الحرص على معالجة آثارها الجانبية السلبية التي تحول دون تقدم الشيعة على طريق بناء أنظمة ديموقراطية عادلة، وتعزيز علاقتهم بإخوانهم المسلمين.

   وأعتقد أن التعرف على "التشيع السياسي" والتخلص من "التشيع الديني"، ضروري جدا لتحقيق الأهداف الشيعية والإسلامية العامة، والخروج من القوقعة الطائفية، والانخراط في مسيرة إسلامية واحدة مع الجماهير "السنية" التي تناضل من أجل الحرية والعدالة والتحرير.

 وكان الدكتور علي شريعتي قد حاول عشية الثورة الإسلامية في إيران، أن يقرأ التراث الشيعي قراءة حية حديثة ويوظفه في خدمة المشروع الثوري الإسلامي، فسلط الضوء على نموذجين من التشيع أطلق على أحدهما "التشيع العلوي" وعلى الآخر "التشيع الصفوي" وانتقد كثيرا من السلبيات التي كان يعاني منها المجتمع الإيراني والمجتمعات الشيعية الأخرى، داعيا إلى الاقتداء بنموذج "التشيع العلوي" المفعم بروح الوحدة والعدالة والثورة والشهادة. ولكن الدكتور شريعتي لم يركز كثيرا على دراسة منشأ الانحراف في الحركة الشيعية التاريخية، وإنما حاول الالتفاف على بعض الخرافات والأساطير المتسربة في الفكر التراث الشيعي، فلم يبحث أصل موضوع "الاثني عشرية" وإنما حاول الالتفاف عليه بالدعوة الى الشورى في مرحلة "غيبة الإمام الثاني عشر" الكبرى. وكذلك لم يبحث الدكتور شريعتي أصل فرضية وجود "الإمام الثاني عشر" المسئولة عن تخدير الشيعة ومنعهم من المشاركة السياسية، وانتظار التغيير من السماء، وإنما قام بالالتفاف عليها بتقديم تفسير جديد لمعنى "الانتظار" هو "الانتظار الإيجابي" الذي يعني العمل والثورة تمهيدا لخروج "الإمام المهدي"، بدلا من المفهوم السابق "الانتظار السلبي" الذي كان يلتزم به الشيعة، ويحرم الثورة وإقامة الدولة في "عصر الغيبة".

   ومع تقديرنا للجهد الكبير الذي قام به الدكتور علي شريعتي، والدور الذي لعبه في تفجير الثورة الإسلامية في إيران، فنحن نعتقد أن أزمة الشيعة لم تبدأ من العصر الصفوي، وإنما ابتدأت من تحول فريق من الشيعة من التشيع "السياسي" إلى التشيع "الديني" في القرن الثاني الهجري. ولذا نعتقد أن الحل يكمن في تفكيك "التشيع الديني" والعودة الى جوهر "التشيع السياسي". وأن في هذه العودة خيرا للشيعة وللعالم الإسلامي. وذلك لأن العالم الإسلامي لم يكن منقسما إلى طوائف في ظل التشيع السياسي، في أيام خلافة الإمام علي بن أبي طالب، الذي كان يجمع عليه الغالبية من المسلمين، وهو يمكن أن يتحد اليوم مرة أخرى على ذلك النوع من التشيع "السياسي" وإن لم يكن شخص الإمام علي أو أحد من أهل بيته موجودا في الوقت الراهن. إذ أن المهم هو الجوهر وليس الإطار، وجوهر التشيع يتمثل في روح العدل والحرية والشورى والوحدة، وهي مباديء لا تخص الشيعة فقط بل يجمع عليها عامة المسلمين.

 إن مباديء "التشيع السياسي" هي بالضبط مباديء الإسلام، ولكنها تجلت لدى الشيعة الأوائل كحركة معارضة في مقابل سياسة بعض الحكام الظلمة والمستبدين الذين مارسوا الظلم واغتصاب السلطة وأكل أموال الناس بالباطل، باسم الإسلام. وعلى هذا الأساس فإن الشيعة يلتقون مع إخوانهم المسلمين بكل طوائفهم ممن يرفضون الظلم والاستبداد والاستغلال. في حين أنهم يتبرءون ممن يمارس الظلم والقهر والاعتداء على حقوق الآخرين، حتى لو ادعى التشيع، أو تظاهر بشعارات الشيعة التاريخية.

  وتشتد الحاجة للعودة إلى جوهر التشيع ، في الوقت الذي يشهد العالم الإسلامي نهضتين عظيمتين تحسبان على "الشيعة" و"السنة" تواجهان خيار التعاون والاتحاد، أو التصادم والاحتراب، وهو ما يدفع باتجاه الوقوع فيه أكثر من طرف محلي وإقليمي ودولي بهدف حماية الأنظمة المستبدة والمصالح الاستعمارية الخبيثة. حيث يحاول الكثير من أعداء الأمة في الداخل والخارج عرقلة النهضة الإسلامية بإشعال الحرب الطائفية وتطعيمها بالأفكار المنحرفة والمطامع الاستبدادية، أو تصوير كل حركة منها على أنها مشاريع هيمنة طائفية، مما يبعث على الخوف والنظر إلى الآخر نظرة شك وارتياب.

  وبدلا من أن يتوحد المسلمون سنة وشيعة وينخرطوا في مشروع نهضوي واحد، راح بعض أصحاب العقليات الطائفية المتحجرة يروج الأفكار والنظريات الشيعية القديمة والميتة، ويشوش على "التشيع السياسي" الثوري العلوي. في حين ذهب البعض من خصوم الشيعة ليفتش في مقابر التاريخ والكتب الصفراء عن نقاط الخلاف والعيوب التي كان يتصف بها الغلاة من الشيعة وبعض المذاهب المتطرفة والمنقرضة، لكي يضرب بها التيار الثوري الجديد. وهو ما يهدد بتدمير مشروع النهضة الإسلامية بصورة عامة، وإدخال المنطقة في أتون صراعات طائفية ضيقة لا تنتهي.

  من هنا تأتي ضرورة المحافظة على البوصلة نحو الأمام، وذلك بالفرز الدقيق بين الفكر الطائفي الاستبدادي المغالي الضيق من جهة، وبين الفكر الشيعي العلوي الحي المعتدل الأممي، المتحالف مع الفكر السني الشعبي الديموقراطي من جهة أخرى.

   إن من المهم جدا أن ينظر كل فكر (شيعي أو سني) إلى جماهير الأمة الإسلامية بغض النظر عن هويتها الطائفية، أي كجماهير باحثة عن الحق والحرية والعدالة والديموقراطية، وعدم محاولة السيطرة عليها أو إقصائها. ولا بد للسنة أن ينظروا للشيعة بعيدا عن الأحداث التاريخية وأقوال الغلاة المتطرفين، وكذلك على الشيعة أن ينظروا إلى السنة كأمة حاضنة لهم، وليس كطائفة مضادة لهم، وينظروا لأنفسهم كطليعة مناضلة من أجل العدل والحرية والتحرير والتقدم للأمة كلها، كما كان يقول الإمام الحسين :"إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي" ولا يعاملوا الجماهير السنية المسلمة بحساب الأنظمة الجائرة المستبدة والحركات العنصرية والطائفية المعادية لهم، والتي قد تسبب لهم أو سببت لهم بعض الأذى عبر التاريخ.

  إن على السنة والشيعة اتباع استراتيجية أصيلة تضع نصب أعينها خدمة الأمة دون تمييز، والتخلص من رواسب الأفكار الميتة والبائدة، الديكتاتورية والمنحرفة، والتمسك بجوهر الإسلام، تمهيدا لحذف مصطلحي "السنة" و"الشيعة" من قاموسهم الفكري والسياسي.

 

 

أحمد الكاتب

10 رمضان المبارك 1429

10 أيلول 2008

 

 

 

 

 

 

 



[1]  -  فقد روى الكشي عن هشام بن الحكم أنه سمع الصادق يقول:" كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة فكان يدس فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي ثم يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يثبتوها في الشيعة، فكلما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم". وقال الكشي :إن يونس بن عبد الرحمن قال:"وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر... فسمعت منهم وأخذت كتبهم فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا، وقال لي:إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فانا إن تحدثنا حدثنا بموافقة القرآن وموافقة السنة". الكشي، الرجال ص 196 - 195